مراكش.. من دور القرآن إلى دور القمار ( بمناسبة البطولة العالمية للبوكير بمراكش) حماد القباج

منذ أن أغلقت السلطات دور القرآن التابعة لجمعية الدعوة إلى القرآن والسنة بمراكش عام 2003، وهذه الدور خاوية على عروشها؛ لم تعرف أي نشاط قرآني شبيه بذلك الذي كانت تزخر به لما كانت تحت إشراف الجمعية المذكورة، كما أن المدينة لم تشهد ما وعد به وزير الأوقاف من تغطية للدَّور الذي كانت تلعبه الجمعية، وبقي المئات من رواد دور القرآن محرومين من دور قرآنية أو حلقات بالمساجد توفر رغبتهم في حفظ كتاب الله تعالى وتعلم أحكامه وآدابه. (ينظر لإثبات هذه الحقيقة: التحقيق الميداني الذي أجرته أسبوعية السبيل، ونشر بعددها رقم: 41).

وفي مقابل هذا التدهور المفتعل في الجانب الديني القرآني بالمدينة؛ نلاحظ تصاعدا مطردا في جانب الفساد والإفساد؛ حيث يتزايد عدد دور الخمور وعدد دور البغاء، وعدد دور الممارسات الجنسية الشاذة، ثم عدد دور القمار الاحترافي؛ وقد تم الترخيص في مراكش لدارين من دور القمار (البوكير)؛ أحدهما كازينو المامونية، والآخر كازينو السعدي.
وقد احتضن هذا الأخير في الفترة الممتدة من 28 ماي إلى الخامس من شهر يونيو الجاري؛ بطولة عالمية للقمار، شارك فيها أكثر من 120 لاعبا، منهم مغاربة.
تحتضن مراكش هذا النشاط مع أنه يمثل انتهاكا صارخا للشرع الذي يعتبر ممارسة القمار معصية وعملا جاهليا لا ينبغي أن يرخص له في المجتمع المسلم، كما يشكل مخالفة للقانون الذي يعاقب كل مغربي يجلس على طاولة قمار.
وهذا يؤكد أن المدينة تعاني من هيمنة لوبيات لا يوقر أصحابها الشرع ولا يقيمون وزنا للقانون، الذي يتلاعبون به كيف يشاءون؛ فيجعلونه ضد من شاءوا وإن كان ملتزما به (جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة نموذجا)، ويفكون من قيوده من شاءوا، وإن تلبس بمخالفته!
إن السياسة التي تقوم على أساس التضييق على دور القرآن والعلم والدعوة -بذريعة أن المجال الديني مؤطر من طرف وزارة معينة، وأنه يخشى عليه من تسلل الإرهابيين-؛ هذه السياسة تمثل تمكينا وخيم العواقب للمفسدين وخدمة للعلمانيين الذين يدركون جيدا بأن هذه الوزارة عاجزة عن الاضطلاع بمفردها بمهمة الإصلاح الديني الذي ينأى بالمواطنين عن دور الفساد، ولذلك يفتعلون أكذوبة المسؤولية الأحادية للوزارة، ثم يخترقون هذه الأخيرة بعناصر تحمل فيروس التطبيع مع الفساد بتأويلات شتى، وأخرى تغار على جيبها أكثر من غيرتها على عملية الإصلاح الديني ..، وتبقى المسؤولية على عاتق فئة غير قادرة على أداءها كاملة لوحدها لحاجتها إلى تعاون كافة الغيورين والمصلحين.
فكيف إذا انضاف إلى هذا الإقصاء؛ فسح المجال للمفسدين، ورفعهم فوق القانون بذريعة إرضاء الأجانب لتنشيط السياحة، والبرهنة على الانفتاح والتسامح!
لقد أدت هذه السياسة إلى تنامي مظاهر الجريمة والفساد بأقبح صورهما؛ من زنا القاصرين والقاصرات، وانتشار التدخين والخمر والمخدرات في صفوفهم قبل تفشيها بين الكبار، وانتشار أوكار الزنا والدعارة واللواط، واستشراء الفساد في الإدارة ومؤسسات التعليم التي أضحت تصدر عددا مهولا من المشردين والتائهين بدل أن تنتج رجال ونساء البناء والتنمية والإصلاح، وارتفعت نسبة الجريمة، وتفشت بين أفراد الأسرة نفسها (قتل الزوج والزوجة والأم ..).
ولم تعد تكفي -أمام هذا الواقع- تدخلات سلطات الأمن لمحاولة عقوبة بعض المتسببين في الإخلال بالأمن والقانون؛ حيث تبقى جذور البلاء راسخة تولد أشجار الفساد الشائكة التي يأكل من ثمراتها السامة الصغير والكبير والرجال والنساء.
وكيف لا تزداد هذه الجذور اللقيطة رسوخا ونحن نشهد التضييق على دور القرآن والإصلاح بذرائع مضحكة مبكية من قبيل: عدم الالتزام بتقليد المذهب المالكي والسلوك الطرقي، ولا بما جرى عليه عمل المغاربة من طقوس وعادات مثل: رفع الصوت في تشييع الجنائز وقراءة سورة يس في المقابر جماعة.. إلـخ.
كيف يستقيم عقلا أن نوقف نشاط من يخالف (جدلا) في مثل هذه الأمور، ولا نوقف نشاط من يخالف دين الدولة وقانونها في أمور متفق على تحريمها وحظرها؛ من مثل كبيرة القمار التي تحقق ثروة خيالية لأفراد معينين، بينما تزج بالمئات في أوحال المعصية والفقر والتفكك الأسري، وتولد نفسيات تؤدي بأصحابها إلى الجريمة أو الانتحار؟!
إن دور القمار المرخص لها رسميا تتفشى في كثير من مدن المملكة -وليس فقط في مراكش-؛ مثل: طنجة والجديدة وأكادير وورزازات، ناهيك عن المئات التي تعمل بدون ترخيص، بل يُروَّج للميسر في الإعلام الوطني، وعلى رأسه القناة الثانية (2M) التي تنشر أخبار: (اللوطو والكينو والكواترو .. إلـخ).
يتنامى هذا الشر في غفلة كاملة عن التوجيه الرباني الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة/90-92].
قال المفسرون: “الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله، خصوصا هذه الفواحش المذكورة؛ ومنها: الميسر، وهو: القمار، الذي نهى الله عنه وزجر، وأخبر بمفاسده الداعية إلى تركه واجتنابه؛ فمنها: أنه رجس، أي: خبث، والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها.
ومنها: أنها من عمل الشيطان، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان.
ومنها: أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو: الفوز بالمطلوب المحبوب، والنجاة من المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومعوقة له.
ومنها: أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بثها، ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء.
فإن في الميسر من غلبة أحد المقامرين للآخر، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء.
هذا على مستوى الفرد؛ أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي فإن دور القمار ترسخ المبدأ الرأسمالي الطاغي القاضي بتضخيم ثروة القلة وتفقير الكثرة البائسة..
وإن من سوء التدبير أن نفتح دور القمار لأجانب وأثرياء يلعبون فيها بالفائض من أموالهم، ونبيحها لمن يستثمر فيها رأس ماله، بل لمن يبيع من أجلها الدار والأثاث، ويسرق للمغامرة فيها زوجته ووالده والناس أجمعين، فيرجع المستثمر الأجنبي ليعوض خسارته، ويبقى المواطن المغربي يتجرع مرارته، التي سرعان ما تتحول إلى سلوك إجرامي أو عدواني على النفس أو الأسرة ..
ومنها: أنه يصد القلب -ويتبعه البدن- عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خلق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر، يصدانه عن ذلك أعظم صد، ويشتغل قلبه، ويذهل لبه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو” .
وفي الختام ندعو المسؤولين والمعنيين إلى أداء واجبهم في المحافظة على الأمن الروحي والأخلاقي للمواطنين، بشكل فعلي وعادل، وأن لا يجعلوا هذا المعنى كلمة حق أريد بها باطل، كما فعل البعض مع دور القرآن التي لا يزال أصحابها وروادها ينتظرون إنصافها، الأمر الذي لم يتحقق بعدُ ولو على وجه المساواة بينها وبين دور الخمر والقمار!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *