شعار الحرية.. والدعاوى العمياء.. رشيد مومن الإدريسي

لما كانت الألفاظ قوالب المعاني كانت المصطلحات وسيلة لنقل الأفكار وتوجيه العقل إلى معنى يرسخ فيه، حتى استغل كثير من الناس جملة من الألفاظ المجملة -بعد زخرفتها- لترويج أفكارهم ومذاهبهم.

فكم خرجت من مناهج وأفكار وآراء ونظريات وتوجيهات خاطئة باطلة بعيدة عن الصواب ومجانبة للحقائق الإسلامية والأحكام الشرعية من خلال ألفاظ ومصطلحات محتملة رنانة.
فإن “كل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق”1.
فالمصطلحات والألفاظ المحتملة المجملة جرعة سحرية يتناولها فرد أو جماعة، فتحول اتجاه تفكيره أو تفكيرهم من جهة إلى أخرى -إن لم تفقده التفكير أصلا-، وقد يتسلل هذا المصطلح إلى العقل العام دون إدراك خطورته، كأن تطرحه جماعة أو هيئة صاحبة مصلحة أو هوى في شيوعه وانتشاره، فيطرح من خلال وسيلة عامة ككتاب أو إذاعة أو صحيفة أو مناهج دراسية، إلى غير ذلك، ولا يمضي وقت قصير حتى تضاف إليه الشروح والحواشي الباطلة، فيلتقط في وقته، ويرفع في حينه وإبانه فتظهر بعد انعكاساته الضارة عن طريق تزيينه وزخرفته، فيبدأ يعطي ثماره: فكرا وافدا وثقافة هجينة.
ومن هذه المصطلحات: مصطلح الحرية الذي رفع في وقتنا هذا خصوصا كشعار في خضم الأحداث التي تجري في الساحة الإسلامية هنا، وهناك، وهنالك!!!
نعم، إن الحرية كلمة مغرية جميلة تأخذ بالألباب، ومقصد يسعى كل عاقل لتحقيقه، تنشرح لسماعها الصدور، ويألفها القلب، ويأنس بها الوجدان، لأن “أصل الناس الحرية”2.
فكلمة الحرية هي من أكثر الكلمات شيوعا واستعمالا، ولذا كانت عرضة للتزييف والتجريد، حيث أصبحت تعني كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه!
فإن ذيوعها وانتشارها أدى إلى تعدد معانيها بحسب معقول ومرجعية مستعمليها.
كما قال أحد الحكماء: “إذا شاع اللفظ تشعبت معانيه بحسب معقول مستعمليه”.
ولذا استعملت كلمة الحرية في غير معناها الحقيقي، وصارت شعارا براقا استغلته المنظمات ذات المصالح الرامية إلى تقويض النظم الإدارية، والمؤسسات الدينية، والهيئات الاجتماعية، لتكون لها السيطرة بعد ذلك، وجعلته الماسونية أحد مبادئها3، ثم قامت “الثورة الفرنسية” التي كان اليهود من ورائها بعد تقديس العقل وتأليهه فجعلت الحرية إحدى شعاراتها مما جعلهم يضربون أبوابها يمنة ويسرة، ويجربون كل شيء ويتذوقونه وليس هذا بغريب عنهم لأنه لا شريعة محكمة تحكمهم، وإنما العجب والأسى والأسف أن يرفعه أبناء المسلمين الذين يدينون بدين الإسلام وينتسبون إلى النبي الأمين عليه الصلاة والسلام بدعاوى عمياء!!!
أما يعلم قومي أن أعداء الإسلام نادوا بـ “الحرية المطلقة ” والتي هي عندهم: “الخلوص من كل قيد والقدرة على الفعل مطلقا” من أجل اتباع الهوى والشهوة، ونبذ الأصول المرضية، والقواعدِ المرعية، والأسس الشرعية؟!
وهذا هو أساس “الليبرالية” التي هي تطبيق من تطبيقات العلمانية، وهذه الأخيرة فلسفة تسبق كل نظام يفصل الدين وينحيه أو يلغيه بالكلية عن الحياة.
قال أحد أقطاب العلمانية في عصرنا الحاضر “الليبرالية تعتبر الحرية المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف،الأصل والنتيجة في حياة الإنسان، وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه”4.
والاسم الصحيح المطابق لليبرالية كما سماها القرآن الكريم (السدية) كما قال تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى).
قال الشافعي رحمه الله: “لم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى”5.
وجاءَ في موسوعة (ويكيبيديا) الإلكترونية وصفُ الليبراليةِ بأنها: “حركة وعي اجتماعي وسياسي داخل المجتمع، تهدف لتحرير الإنسان فرداً وجماعة من القيود الأربعة (السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية)…
وتعترض الليبرالية على تدخل الدين في الأمور الشخصية بشكل عام، وهي بهذا مقاربة للعلمانية بشكل كبير”!!!
فدعاة الحرية المطلقة يرونها شرطا ضروريا للتقدم! وحقا أصيلا للتنمية -زعموا-!
فحرضوا للخروج على أحكام الشريعة وحدودها!! بدعوى الحرية! وصوروا التقوى والعفاف، والحجاب الشرعي، والصلاة والصيام.. وطاعة المرأة لزوجها في المعروف قيودا للحرية والانطلاق!!
ودعوا إلى المحافظة على الحقوق، وقالوا: هذا مقتضى الحرية، فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى إباحية مطلقة، وإشاعة للفاحشة…
ودعوا إلى تلبية الرغبات بدعوى الحرية، فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته من تقديم الإغراءات الدنيوية المثيرة، والزخارف الفانية! والنماذج الفاضحة الفادحة! والشهوات المؤججة، وبطون لا تشبع، وزينة وتنافس هابط فتان.
ودعوا إلى الإنسانية والانفتاح على الآخر بدعوى الحرية فإذا فتشت عن ماهية ذلك وجدته دعوة إلى تذويب الهوية الإسلامية في الشخصية المادية الغربية.
يدعون إلى حرية إبداء الرأي، والتعبير عن الفكر، مع أن حقيقة ذلك: أنهم يريدون صنع من يكون أداة لهدم أصول وكليات شريعة رب العالمين، ومن يتمرد على عقائد وأحكام الدين.
دعوا إلى الاجتهاد والنظر مطلقا بدعوى الحرية، فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى تبديل وتحريف أحكام الدين.
دعوا إلى النقد الحر بدعوى الحرية فبعدما فتشنا عن حقيقة ذلك وجدناه دعوة إلى الانسلاخ عن الدين، والجرأة على حرمات رب العالمين.
دعوا إلى التعايش والتسامح بدعوى الحرية، فإذا فتشت عن حقيقة ذلك وجدته دعوة إلى تفريغنا من عقيدتنا الصحيحة، خاصة عقيدة الولاء والبراء، ووجدت ذلك -كذلك- دعوى للتقارب بين المذاهب الهدامة والأديان..والله المستعان.
إلى غير ذلك من الدعاوى الكاذبة الباطلة التي تخرج المرء من قيود وأحكام الإسلام ومن بحبوحة الحرية الحقة التي ضمنتها لنا الشريعة بعدل وحكمة إلى دعاوى الحرية المطلقة الزائفة التي ما ينتج عنها إلا المآسي والبلايا، والمخالفات والرزايا.
حتى اشتهر في العالم قول “مدام رولان”: “أيتها الحرية! كم من الجرائم قد ارتكبت باسمك؟”6.
فليحذر كل مغتر من هذا الشعار المزيف الذي يعمي القلوب والأبصار فالحرب شرسة ونحن على أرض معركتها، ولا يخفى أن “الحرب خدعة”.
وليعلم وبيقين أن الإسلام قد كفل لنا الحرية الحقيقية والحقة، حيث أن حرية الإنسان في التشريع الإسلامي هي: فريضة اجتماعية وتكليف إلهي تتأسس عليها أمانة المسؤولية ورسالة الاستخلاف -أعني استخلاف الله للإنسان في الأرض- التي هي جماع المقاصد الإلهية من خلق الإنسان.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “فالحر من تخلص من رق الماء والطين، وفاز بعبودية رب العالمين، فاجتمعت له العبودية والحرية، فعبوديته من كمال حريته، وحريته من كمال عبوديته”7.
فمن أراد الحرية له ولغيره من غير أن يتخذ الشرع طريقا للرشد و الهداية فهو يمشي في ظلام وعماية، ونهاية أمره التخبط والضلال فلا مندوحة إذن لأحد يدعو إلى الحرية عن الرجوع إلى الشرع والركون إليه، والانطلاق منه، فالإسلام كفل الحرية للجميع، أفرادا وجماعات في مختلف المجالات، في أوامر الله ونواهيه.
فالإسلام كما يذكر العلامة السخاوي رحمه الله: “أعطى للناس الحرية وقيدها بالفضيلة حتى لا ينحرف، وبالعدل حتى لا يجور، وبالحق حتى لا ينزلق مع الهوى وبالخير والإيثار حتى لا تستبد به الأنانية، وبالبعد عن الضرر حتى لا تستشري فيه غرائز الشر”.
وعليه فإن كل دعوة إلى الحرية مهما كان حجمها، وأيا كان منطلقها أو الصائح بها أو الجهة التي خلفها إذا لم تكن قائمة على اتباع الشرع المنزل فهي حرب ضروس ودعوة إلى التنازع، ورفع للقيود مطلقا، ومناداة للتسيب، وسلوك لمسلك الضياع والدمار والفوضى.
وصدق الشيخ الرحالي الفاروق رحمه الله لما قال: “ومن مشاكل الاجتماع، نظام الحرية المطلق، الذي أصبح يتهجم على الدين ومقدساته، ويستهزئ بالسلف الصالح ومعطياته، ويشتم من يحرص على أوامر الله وشريعته، ويحاول بكل وسيلة من وسائل التلبيس والتضليل إفساد العقول، وصرفها عن شريعة الحق، وجادة الطريق، وكان من الحكمة واللياقة أن يأخذ الإنسان في مذهبه وطريقه، دون أن يتحدث فيما ليس من شأنه واختصاصه، ولكن عاد كل ناعق خبيرا، وصار كل شيء رخيصا، فمن الناس من يفسر الإسلام بما نرى من الإثم والزيغ والفساد، ويتجرأ على القول أن الإسلام لو كان حيا لسار في هذا الطريق، أو لدعا إليه، وهذا غاية في الجهل بحقيقة الوحي، ونهاية في ركاكة الوعي، وشناعة الرأي”8.
ـــــــــــــــــــــــــــ

1. إغاثة اللهفان 2/82.
2. الأم للإمام الشافعي رحمه الله 5/257.
3. جاء في بروتوكولات حكماء صهيون ترجمة عباس محمود العقاد/الطبعة الخامسة، ص: 69 :” كذلك كنا قديماً أول من صاح في الناس (الحرية والمساواة والإخاء) كلمات ما انفكت ترديدها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر، وقد حرمت بترددها العالم من نجاحه، وحرمت الفرد من حريته الشخصية الحقيقية التي كانت من قبل في حمى يحفظها من أن يخنقها السفلة ” !!.
4. مفهوم الحرية للعروي 39.
5. السنن الكبرى للإمام البيهقي رحمه الله 10/113.
6. أركان حقوق الإنسان للمحمصاني 73.
7. المدارج 2/29.
8. مقالات ومحاضرات الشيخ الرحالي الفاروق 156- 157.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *