رد الاعتبار لحراس المنهج السلفي الأبرار محمدالقريفي منتسب لكلية الحقوق بمراكش

حول مائدة شاي متواضعة في بيت من بيوت مدينة مراكش الحمراء، سألني أحد الشباب بنبرة تنم عن السخرية والتشفي، وهو طالب جامعي يدمن على قراءة الكتب والجرائد العلمانية، هل حقا ما نسمعه عبر وسائل الإعلام بأن الذين أقدموا على الانتحار بالطائرات التي استخدموها ضد عمارتي المركز التجاري الدولي بنيويورك والبنتاغون في واشنطن، والذين يقتلون الناس في بغداد ولندن ومدريد وتورابورا وجلال أباد وسيناء…
هل هم حقا تلاميذ خرجوا من تحت عباءة المنهج السلفي؟
قلت: متعجبا ما علاقة تلك العمليات الإجرامية بالمنهج السلفي؟
فأجاب جواب الواثق بنفسه: جميع المثقفين والإعلاميين والرأي الوطني والدولي يؤكدون بأن المنهج السلفي هو سبب المذابح والمجازر التي اكتوى بنارها العالم.
ولكي يبرهن على صحة وجهة نظره أحرجني بكلام آخر: أن أولئك الذين نفذوا التفجيرات الأليمة بمدينة الدار البيضاء يوم 16 ماي أغلبهم تلقوا تكوينهم من طرف دعاة السلفية الجهادية.
بذلت كل الجهود وتكلمت محاولا نفي تهمة التطرف والإرهاب عن المنهج السلفي وأعلامه لكن دون جدوى، فيبدو أن الشاب الجامعي تعرض لعملية غسيل مخ ممنهجة مارسها عليه باحترافية دهاقنة الإعلام العلماني، حتى إنه أصبح لا يرى إلا بمنظارهم ولا يفكر إلا بعقليتهم، وكل ما يقرأه في جرائدهم بات ينظر إليه على أنه كلام مقدس لا يحتمل الشك، ولا يمكن أن يتسرب إليه الخطأ.
حينئذ أدركت أن جميع المحاولات لإقناعه وتصحيح الصورة التي تسربت إلى ذهنه عن المنهج السلفي ستبوء بالفشل، ما دام يرفض الاستماع للرأي الآخر، ولا يقبل إعادة النظر في تلك الأحكام المسبقة التي اختزنها في وعيه تحت تأثير القصف الإعلامي العلماني، ومع ذلك فإنني التمست له العذر وأيقنت أنه مجرد ضحية وسائل إعلامية يتحكم في تسيير دفتها اللوبي الصهيوني الأمريكي، الذي يعلم علم اليقين أن هيمنته وسيادته وتحكمه في القرارات الدولية، لن تتأتى إلا بإلصاق التهم بالمسلمين والطعن في هذا الدين القويم.
فلا عجب إذا رأينا وسائل الإعلام المختلفة العلمانية الغربية والعربية، كلما حدث عمل إجرامي تبنته إحدى التنظيمات المسلحة، تربطه مباشرة بالمنهج السلفي، بل وجدنا التحريض الشديد من طرف الأحزاب العلمانية ضد المدارس القرآنية والتي تسببت حسب أطروحتهم في تغذية التطرف والإرهاب، وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن وسائل الإعلام التي توجهها التيارات العلمانية ساهمت بخيلها وأقلامها في استعداء السلطات المحلية والدولية من أجل فرض حضر ورقابة على المنهج السلفي ودعاته وحملته ومدارسه، بحجة أنها وهابية تحرض على القيام بالأعمال الإرهابية.
إن من يعرف الحقد العلماني وبغضه وعداءه لكل ما يمت للإسلام بصلة، لن يستغرب حربه على المنهج السلفي وكيل التهم له، فهذا أمر ألفناه واعتدنا أن نقرأه في كتاباتهم وجرائدهم، ولكن الذي يثير التعجب والاستغراب، أن نجد بعض الكتاب «الإسلاميين» الذين يعدون من أكثرهم إنصافا واعتدالا بحق الإسلام والمسلمين، قد وقعوا في هذا اللبس والخلط أيضا من حيث ربط تنظيم القاعدة و«السلفية الجهادية» بالمنهج السلفي وأصبح بعضهم يستحي ويخجل من الانتساب للدعوة السلفية، ويعلن براءته وتنكره لكل ما له علاقة بها، خوفا أن يدرج في لائحة القائمة السوداء، التي تضم أسماء الأشخاص والمنظمات المغضوب عليهم من طرف أمريكا وربيبتها “إسرائيل”.
حتى ﺇنه يمكن القول ﺃن أكثر الكتاب الإسلاميين فضلا عن العلمانيين، متشبعين بفكرة أن الإرهاب والمنهج السلفي عملتان لوجه واحد، وقلما يتوقفون عند معرفة المفهوم الحقيقي لكلمة السلفية، أو يحاولون فهمها من مصادرها الأصلية بعيدا عن الأفكار المشوهة التي اعتادوا قراءتها أو سماعها في كتابات الأعداء والخصوم.
بل إن بعض الشباب الملتزم تحت ضغط حملات التفتيش والاعتقال التي طالت رموز الغلو والتكفير، فضل طريق الانتكاس والانحراف والتنصل من كل انتماء يربطه بالمنهج السلفي وعلمائه ومبادئه، وآخرون يحسبون كل صيحة عليهم لم يكتفوا بالتنكر والتبرؤ، بل إنهم انخرطوا في صفوف المحاربين المعادين لكل ما له علاقة بالكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة والى الله المشتكى.
ومن الطُّرف المضحكة التي لها علاقة بما نحن بصدد الحديث عنه، بعد العمليات الانتحارية الإجرامية التي وقعت في مدينة الدار البيضاء، توجهت صوب هذه المدينة بحثا عن أحد المصانع التي تتكفل بصناعة مطاحن الحبوب، حيث كنت أنوي إنشاء مشروع مطحنة للقمح رفقة أحد أقربائي، ولأنني أجهل جغرافية المدينة، طلبت من أحد سكانها أن يدلني على مكان تواجد إحدى الشركات التي تقوم بصناعة المطاحن، فما كان منه إلا أن نظر إلي نظرات شزراء، لم أفهم حينئذ سببها، وراح يتأمل في لحيتي، وعوض أن يرشدني إلى ضالتي التي أبحث عنها، طرح علي أسئلة غريبة هل أنت سلفي؟ أين تريد ﺃن تنفجر؟
صراحة لم أكن أتوقع أن أجد نفسي في هذا الموقف الحرج، فلم ﺃملك نفسي من الضحك والقهقهة، حاولت أن أتخلص من صاحب السؤال والابتعاد عنه دون جدوى، وأصر على أن يلاحقني أينما توجهت، حينئذ تأكدت بما لا يدع مجالا للريب أن ذلك الشخص مخمور غائب عن وعيه بفعل تأثير الخمرة أم الخبائث.
حكيت هذه الطرفة، ليلحظ القارئ الكريم أن ما يكتبه بعض أدعياء الثقافة ومرتزقة الصحافة حول المنهج السلفي يكاد يخرج من نفس المشكاة التي عبر عنها ذلك السكير المخمور في تساؤله هل أنت سلفي؟ وأين تريد أن تنفجر؟
لهذا فإنني لا أستبعد أن ما نقرأه ونسمعه عبر وسائل إعلام بني علمان من إفك وبهتان حول حماة السنة والقرآن هو محض افتراءات وأكاذيب يتولى كبرها أناس اعتادوا أن يكتبوا مقالاتهم تحت مفعول الخمرة وأنغام الشيطان.
وردا للاعتبار لحراس المنهج السلفي الأبرار، نشهد شهادة سنسأل عنها أمام العزيز الغفار، أننا تربينا في مدارسه وعلى أيدي علمائه ودعاته، فلم نقرأ في كتبهم، ولم نسمع في أشرطتهم ما يحرض على سفك الدماء البريئة، وقتل الأنفس المعصومة وشق عصا الطاعة على الأمراء، بل على النقيض من ذلك وجدنا منهم الإنكار على كل من يسعى للإخلال بالأمن وبث الفتن والقلاقل.
ولو أردنا الاستشهاد على ذلك بكلام العلماء والدعاة السلفيين، لتعذر بنا المقام لكثرة الحجج والشواهد التي تنفي عن المنهج السلفي تهمة الإرهاب والتطرف، لكننا نكتفي بختم هذا المقال بإحالة القارئ الكريم على كلام شاهد من أهل الدار وهو رمز من رموز الدعوة السلفية بالمغرب يتعلق الأمر بفضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي -حفظه الله- حيث يقول في أحد كتبه بعنوان: “دعوة سلف الأمة إحياء الكتاب والسنة” الصفحة: 224.
“..أما ما يحصل على الساحة اليوم فيسميه السلفيون إفسادا، فما وقع في الآونة الأخيرة من أنواع التفجيرات الآثمة والاغتيالات الظالمة في بلاد الإسلام وغيرها؛ فهذا ليس من دين الله في شيء، وهو إفساد لاشك فيه، وفاعله مسيء للإسلام وأهله، وهو آثم لاشك في إثمه، ولو كان خيرا لاجتمع عليه علماء الإسلام، وأفتوا به ودافعوا عنه وناصروه، كيف وهو معصية لرب العالمين، ومخالفة لولاة أمر المسلمين، وتمرد على القيادات العلمية المعتبرة، ويكفيك أن أصحاب هذه الطامات حدثاء أسنان سفهاء أحلام.
وديار الإسلام ولله الحمد لا تخلو من علماء مدافعين عن دين الله محبين لله ولرسوله ولدينه، فالحجة في اجتماعهم. وأما الشذاذ والذين لهم أغراض سيئة وأحقاد دفينة وانتقامات مخفية؛ فهؤلاء لا عبرة بهم، فالسلفيون يبرؤون إلى الله من كل هذه الأفعال الشنيعة، سواء كانت في بلد الإسلام أو في غيرها من البلدان، فالدعوة إلى الله في هذا الوقت من أعظم الجهاد وأنفعه، وقد أوقفها هؤلاء وعطلوا سيرها بهذه الأفعال المشينة التي كانت سببا في هجوم الكفرة على أهل الإسلام في أقوالهم وأفعالهم، وتوقيف كثير من الدعاة، وإغلاق الكثير من الجمعيات الخيرية التي كان أهل الإسلام يستفيدون منها، من يتامى ودعاة وحفاظ للقرآن، فكل هذه الآثام ترجع على من كان سببا في هذه الفتن، فعقلاء المسلمين يتبرؤون من هذه الأفعال، ويكتبون ضدها ويقيمون المحاضرات في بيان فسادها وتفاهتها، فينبغي للمسلمين أن يفرقوا بين الجهاد والإفساد..”.
كلمة أخيرة، نهديها للعلمانيين ومختلف أعداء الدين، أن الفشل سيكون حليفكم مهما تفننتم في اختلاق الشبهات حول هذا المنهج السلفي المبارك بهدف إطفاء نوره وتشويه سمعته والصد عن سبيله، وأن المستقبل يبشر بانتشاره وسيادته في أرجاء المعمورة، وأن ظهوره على سائر الملل والنحل أمر واقع ما له من دافع ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ التوبة الآية [33 ] •
طبعا حجم هذه المقالة لا يتسع لتفنيد جميع الأراجيف والاتهامات التي تحاك عن المنهج السلفي، لكننا نأمل في المستقبل القريب أن نحقق ذلك، وسيكون موضوع الحلقة القادمة هو الرد على تهمة التكفير وهي شبهة لطالما ألصقت زورا بالسلفيين وهم براء منها•

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *