مرة أخرى افتحوا دور القرآن فإنها صمام أمان ذ- أحمد اللويزة

لا زالت الأحداث تتناسل كالفطر، ترسم صورة قاتمة عن الواقع وتزيد المستقبل إبهاما عند من لا يرى بنور الله، ولا يزن الأمور بميزان الشرع، ولأن ما يجرى اليوم بميزان البشر لا يبشر بخير، ولا يفتح بابا للأمل في الأفق، ولكن كم من المنح في المحن لا يعلمها إلا الله، لذلك فإن من رضي بالله ربا حكما موقنا بوعده مصدقا لعهده، يرتاح باله لأن العاقبة للمتقين؛ أهل السنة والقرآن المتمسكين بهما والعاضين عليهما بالنواجذ، لأنهما سبيل الخلاص وطريق النجاة والملاذ عند نزول الفتن، ومنهج الحياة الذي يضمن صفاءها ويكفل سعادتها، وهذا ليس ضربا من التنجيم ولا التخمين ولا كتابة الشعر، وإنما هو الحق الذي ليس بعده إلا الباطل، جاء به رسول رب العالمين من عند رب العالمين يقول صلى الله عليه وسلم: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي” ، وما كان للأمة اليوم أن تعيش الضلال إلا لأنها نبذت القرآن خلف ظهرها واشترت به ثمنا قليلا، أو حيزته في مناسبات ضيقة للتبرك لا للعمل والتحكيم والتحاكم.

فالفوضى التي أرخت سدولها على أمة الإسلام، وهذا الهرج والمرج الذي ترزأ تحته لا خلاص منه إلا بالرجوع إلى الوحي قرآنا وسنة، وجعله أمامنا لا خلفنا، وفوق رؤوسنا لا تحت أقدمنا، إن الوحي هو الكفيل بالتربية على كل خلق حسن، وسلوك نبيل، ومن ذلك احترام حق الحياة؛ وعلى هذا قامت صروح تعليم القرآن والسنة وتدريسهما، بحيث ربت جيلا من الناس على الوقار والسمت الحسن، ونبذ العنف وبغض الفوضى والابتعاد عن الفتنة قدر المستطاع، لأنها أشد من القتل، لذلك كانت دور القرآن ـ التي أخذت بجريرة مصطنعة، وجناية متوهمة، لتغلق وإلى اليوم ـ؛ صمام أمان للشباب بإذن الله من الوقوع في براثين الانحراف الأخلاقي والعقدي والفكري، وقد كانت مدينة مراكش أهم موطن لصروح دور القرآن أكثر سلامة وابتعادا عن فكر التطرف والتفجير والانتحار، ولم تكن محط أنظار بسبب اعتقال أو تهديد أو تفجير، ومن غريب الأقدار أن يكون مفجر الأركانة ليس من أبناء المدينة الحالمة الهادئة، التي تتعرض لأكبر عملية إبادة أخلاقية وأعظم عملية تشويه قيمي، والذي لم يتأت بإحكام وإتقان إلا بإغلاق دور القرآن الصرح الممانع.
فما أكثر الشباب الذي تربى في دور القرآن يمر صباح مساء على أشد البؤر انحرافا أخلاقيا، ولم يخطر على بالهم شيء من هذا لأنهم تربية القرآن والسنة على فهم سلف الأمة. لذلك نقولها وليس للمرة الأخير افتحوا دور القرآن فهي ليست وكرا لتفريخ المتخلفين كما يزعم المغرضون الأفاكون بائعوا الضمير وخائنوا الأمة، ولكنها روض يفيء إليه الناس من كل الأصناف والأجناس والمستويات من البَناء إلى الأستاذ إلى المهندس… يحتمون بها من لهيب الشهوات ولفح الشبهات. ولا يضيرها أن يكون أكثر روادها من البسطاء في أعين السفهاء، لكنهم العظماء في عين الله لأنهم أهل القرآن وأهل القرآن أهل الله وخاصته، وما العيب -بل فخرا- أن يكون روادها من الحرفين والفقراء وغيرهم ممن يسخر منهم دعاة التسامح والمساواة من كل حداثي مستغرب وعلماني مستكبر، ولا عجب فقد سخر أسلافهم على مر التاريخ من أتباع الأنبياء الذين لم يكون في البداية إلا من الضعفاء والفقراء، وقد قالها من قبلهم علية القوم من قوم نوح وعاد وثمود وموسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين… يقول الله عز وجل على لسان قوم نوح “قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ” ومن قوم عاد “قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ” وغير هذا مما ورد في القرآن مما لا يجهله من يقرأ كتاب الله.
لقد علمتنا هذه المعالم الشامخة القرآن والسنة، وعلمتنا مناهج الفهم والإدراك، وغرست في قلوبنا حب السنة وبغض البدعة، علمتنا السمع والطاعة في المعروف وإن تأمر علينا عبد، علمتنا الصبر على المكروه والظلم ورفع الدعاء إلى الله ليرفعه، وعلمتنا أن التغيير يبدأ بالنفس أولا، علمتنا تقدير الأنفس وبذل الحقوق واحترامها، فتحت أعيننا على الخير والحق وأصلت لنا العقائد والعبادات، وسلكت بنا دروب الهدى والنور، وفي دور القرآن اكتسبنا مناعة بإذن الله من شبهات التكفير والتفجير والخروج على الحكام، وكانت سدا منيعا حال بين روادها وبين الوقوع في براثين الانحراف.
مهما عددت من منافع لست أقدر قدرها ولا أبلغ وصف فضلها، وكفى أنها دور للقرآن كتاب العصمة والهداية وما بعده إلا الزيغ والضلال، فعوضا عن إغلاقها أكثروا من فتح مراكزها إن كانت هناك نية صادقة في الإصلاح، وبلوغ منازل الرقي والرخاء، تماشيا مع هوية الأمة وكينونتها، وإلا فإن الاستنبات في غير محل النبات يعود عليه بالخسران والهلاك، ولا يصلح الزرع إلا إذا ناسبه المحل، وغير ذلك فعبث وهراء، فافتحوا دور القرآن لتؤدي دورها واصرفوا عنها الطعن والكيد والسباب، وسترون العجب العجاب. افتحوها فهي التي خرجت حفظة وقراء يتهافت مختلف المغاربة على الصلاة خلفهم، ويفخرون بذلك وتكون سعادتهم بالغة إذا صلى أحدهم عند فلان وعلان من خريجي الدور المباركة. افتحوها فإن فتحها من أسباب رفع البلاء، فبمدارسة القرآن يتحد أفراد الشعب ويندثر العداء، ويبلغ الحب من القلب السويداء.
من الأكيد الذي لا شك فيه أن فتح دور القرآن لن يعجب المتصيِّدين في الماء العكر؛ مفاتيح الشر مغاليق الخير، وسيتنادون مصبحين أو في الخفاء “لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ” وقد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يبيتون، وسيمكرون مكرهم ومكرهم سيبور ولا يفلح الماكرون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *