صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن

ما أحوجنا زمن الفتن والمحن إلى تحقيق (مقام الصدق)! علما وعملا واعتقادا، وقولا وفعلا واستنادا، لكي نُرزق التؤدة والثبات، والفقه والبصيرة في الحال وما هو آت، ولذا كان الصدق علامة الطمأنينة والبعد عن السيئات، ودليل العلم والفهم واجتناب الشبهات.

قال تعالى: (الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).
قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره للآية: “يخبر تعالى عن تمام حكمته، وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال: إنه مؤمن وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق، وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عما أمر اللّه به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته، ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.
والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه، فمستقل ومستكثر، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها”1.
فمقام الصدق هو “الطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكنهم في الجنات: تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين”2.
وعليه كان “صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن”3، إذا أخد واستمسك به من جهاته على وفق ما أمر الله به، وقد كشف عن هذه الجهات الإمام ابن قيم الجوزية عليه رحمة رب البرية بقوله: “قد أمر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً)، وأخبر عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين فقال: (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ)، وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ)، وقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)، فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق”4.
فالسلامة من الفتن المضلة (بمدخل الصدق ومخرجه) بأن تكون في إقدامك وإحجامك عند حلولها متمسكا بالحق ولو خالفك أكثر الخلق، وتعمل بالصواب استنادا إلى السنة والكتاب، وقد قيل: “من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق والباطل”5، ويُرزق الثبات لأخده بالحق والدلائل.
ورضي الله عن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان القائل: “إن الفتنة لتعرض على القلوب، فأي قلب أشربها: نقط على قلبه نقط سود، وأي قلب أنكرها: نقط على قلبه نقطة بيضاء.
فمن أحب منكم أن يعلم: أصابته الفتنة أم لا!؟ فلينظر: فإن رأى حراما -ما- كان يراه حلالا، أو يرى حلالا -ما- كان يراه حراما فقد أصابته6″7.
وأساس الأمر وملاكه: العلم الذي هو دواء للفتن، لأن الفتنة تجيء من جهة الاشتباه، والشبهة يزيلها العلم، أي أن يعرف المرء الفتنة من غيرها، لأنه إذا اشتبه عليه أمرها لم يأمن التورط فيها!!
أما (لسان الصدق) عند الفتنة فبضبط حركته، وبالتورع في كلماته، فإن للسان عند الفتن أثر خطير في إذكاء نارها، وتمزيق شمل أهلها، فإنه يخوض في غمارها -غالبا- دون احتكام للفقه والفهم، بل لمجرد الظن والوهم (!!)، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: “إنما الفتنة باللسان وليست باليد”8، لذلك قيل: “كم إنسان أهلكه لسان! ورب حرف أدى إلى حتف!”.
قال الإمام الآجري رحمه الله: “الفتن على وجوه كثيرة، وقد مضى منها فتن عظيمة، نجا منها أقوام، وهلك فيها أقوام باتباعهم الهوى، وإيثارهم للدنيا، فمن أراد الله به خيرا فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحفظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم المحجة الواضحة السواد الأعظم 9 ، ولم يتلون في دينه، وعبد ربه تعالى، فترك الخوض في الفتنة، فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير”10.
أما حقيقة (قدم الصدق) عند الافتتان، فبالإقبال على التقوى وطاعة الرحمن، فإن “الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج”11، فاحرص عبد الله على أن تُقدم التقوى زمن الفتن والردى، لأن المتقي يحفظه الله ويجنبه أسباب سخطه، لا سيما إذا كان فيه تضرع إلى ربه وإخبات، فإذا حضرته فتنة لم يدعه ربه في حيرة، بل نور بصيرته فيها وجعل له فرقانا يميز به بين الحق والباطل.
قال بكر المزني رحمه الله: “لما كانت فتنة ابن الأشعت قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى. فقيل له: صف لنا التقوى، فقال: العمل بطاعة الله، على نور من الله، رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله”.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله معلقا: “قلت: أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بترو من العلم والاتباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله، لا ليقال: فلان تارك للمعاصي بنور الفقه، إذ المعاصي يفتقر اجتنابها إلى معرفتها، ويكون الترك خوفا من الله، لا ليمدح بتركها، فمن داوم على هذه الوصية فقد فاز”12.
والأمر بَعْدُ بمنة الله وكرمه أن يَنال المرء (مقعد الصدق) فإنه لا شك أن المتقي حقا وصدقا له الجنة وعدا وتفضلا من الرب العلي مصداقا لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ).
في تفسير الجلالين13: “{في مقعد صدق} مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم أريد به الجنس وقرئ مقاعد. المعنى: أنهم في مجالس من الجنات سالمة من اللغو والتأثيم بخلاف مجالس الدنيا فقَل أن تسلم من ذلك.. {عند مليك} مثال مبالغة أي عزيز الملك واسعه {مقتدر} قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى و(عند) إشارة إلى الرتبة والقربة من فضله تعالى”.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله بعد ذكره لأنواع مداخل الصدق هذه: “ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق، ودوامه ونفعه وكمال عائدته، فإنه متصل بالحق سبحانه كائن به وله، فهو صدق غير كذب، وحق غير باطل، ودائم غير زائل، ونافع غير ضار، وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل”14.
ــــــــــــــــــــــــــــــ

1. تيسير الكريم الرحمن 626.
2. مدارج السالكين 2/268-269.
3. قالها الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح 6/483.
4. مدارج السالكين 2/270.
5. المدارج 2/279.
6. وليس المقصود من كلام حذيفة رضي الله عنه الرجوع وفق الحجة والدليل عن فتوى أو مقالة كان يقولها ويعتقدها المرء لظهور الحجة والدليل، وإنما لمجرد النظر والتزيين، والقال والقيل!!
7. رواه ابن أبي شيبة رحمه الله 15/88.
8. رواه الداني رحمه الله في السنن الواردة في الفتن 171.
9. الأحاديث الواردة في (السواد الأعظم) محل نظر على مقتضى الصناعة الحديثية، والشاهد أن المقصود منه على القول بثبوت ما ورد: التمسك بالحق كما هو واضح من سياق كلام الإمام الآجري رحمه الله، وفي ذلك قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على إمامته مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه حتى قال: (ما بلغني سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك)، فسُئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: (إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم) فقال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم.
وصدق والله فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة، داع إليها، فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السوار الأعظم، وهو سبيل المؤمنين، التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا” إغاثة اللهفان 1/70.
10. الشريعة 1/90.
11. الفتح 6/483.
12. سير أعلام النبلاء 4/601.
13. ص: 708.
14. مدارج السالكين 2/272.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *