النهوض من الفترة “إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض”

مما هو معلوم عند أهل السنة والحديث أن الإيمان يزيد وينقص، وعليه فإن الطائع والعابد والطالب للعلم والداعي إلى الله تعالى والعامل لدينه يعتريه ولابد ضعف ونقص وفتور فيما يطلبه ويسير فيه.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “فالطالب الجاد لابد أن تعرض له فترة، فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقت الطلب والاجتهاد” المدارج 3/131.

الحذر من الاسترسال مع الفتور
فالعامل إذا أصابه ذلك فإنه يذم إذا استرسل معه ، ولذا الواجب عليه أن ينتبه ولا يتمادى فيه وينهض من هذه الفترة بأسرع وقت حتى لا يطول عليه الأمر فيألفه ويصير عادة يصعب –بعد- ويشق عليه النهوض لما أصابه من الرين وقسوة القلب، فيقبل بحاله ويرضى بالدون من ترك العمل لله والسير حثيثا وقدما إليه.
وإذا بلغ المرء هذه المرحلة فقد تمت خسارته وخذله ربه إلا إذا تداركته رحمته.
قال ابن القيم رحمه الله: “فإن قلت: كل مجد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض إلى طلبه قلت: لا بد من ذلك ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجم نفسه ويعدها للسير، فهذا وقفته سير ولا تضره الوقفة، فإن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه وجاذب جذبه من خلفه، فإن أجابه أخره ولا بد، فإن تداركه الله برحمته وأطلعه على سبق الركب له وعلى تأخره: نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع، ووثب واشتد سعيا ليلحق الركب، وإن استمر مع داعي التأخر وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركا، وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض فإنها أخطر منه وأصعب.
وبالجملة: فإن تدارك الله سبحانه وتعالى هذا العبد بجذبة منه من يد عدوه وتخليصه وإلا فهو في تأخر إلى الممات راجع القهقرى ناكص على عقبيه أو مول ظهره ولا قوة إلا بالله والمعصوم من عصمه الله” المدارج 1/267-268.
وقال كذلك رحمه الله: “فتخلل الفترات للسالكين أمر لازم لا بد منه فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم تخرجه من فرض ولم تدخله في محرم رجي له أن يعود خيرا مما كان.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض.
وفي هذه الفترات والغيوم والحجب التي تعرض للسالكين من الحكم ما لا يعلم تفصيله إلا الله وبها يتبين الصادق من الكاذب.
فالكاذب ينقلب على عقبيه ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه، والصادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله ويلقي نفسه بالباب طريحا ذليلا مسكينا مستكينا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتة ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ما يصلح له لا بسبب من العبد، وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب لكن ليس هو منك بل هو الذي منَّ عليك به وجردك منك وأخلاك عنك، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه.
فإذا رأيته قد أقامك في هذا المقام فاعلم أنه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك، فإن وضعت القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلب مضيع، فسل ربه ومن هو بين أصابعه أن يرده عليك ويجمع شملك به.
ولقد أحسن القائل:
إذا ما وضعت القلب في غير موضع ***بغير إناء فهو قلب مضيع”
المدارج 3/131-132.

النفوس الشريفة لا ترضى بالدون
واعلم أن النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تقبل بالدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار، فشتان بين من تحوم نفسه حول العرش، ومن تحوم حول الحش.
فحري بالمرء ألا تقف إرادته دون الأعمال العليات ودون رؤية رب الأرض والسموات في الجنات.
فعليك أيها العبد بالنهوض من الفتور والحذر من الاسترواح إليه، وأول ما ينبغي في ذلك “الحمية من أسبابه وهو أن يلهو عن الفضول من كل شيء ويحرص على ترك ما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله، ولا يصحب إلا من يعينه على ذلك فإن بلي بمن لا يعينه فليدرأه عنه ما استطاع ويدفعه دفع الصائل” المدارج 2/107.

النهوض من الفترة وعلو الهمة
ومن أعظم ما يعين على هذا النهوض بعد الدعاء والافتقار إلى الله وشهود مشهد التوفيق: التحلي بعلو الهمة.
فالهمة أصل أصيل من أساسيات الاستشراف والتشوق للأعمال الحميدة، والهمة ما هم به من أمر ليفعل، ومحلها القلب.
قال الجرجاني رحمه الله: “الهم: هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر، والهمة: توجه القلب وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جانب الحق لحصول الكمال له، أو لغيره” التعريفات 320.
وعلو الهمة: “استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور” رسائل الإصلاح لمحمد الخضر رحمه الله 2/86.
فالنهوض إلى فعل الخيرات والسعي إلى القيام لفعل الصالحات بقدر نصيب العبد من علو همته، فهي لا تزال تضرب صاحبها بسياط اللوم والتأنيب حتى ترفعه إلى معالي الأمور وأشرفها.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل” الفوائد 211.
وقال رحمه الله: “وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- يقول: والعامة تقول :قيمة كل امرئ ما يحسن، والخاصة تقول : قيمة كل امرئ ما يطلب” “المدارج” (3/3).
قال ابن القيم رحمه الله عقب هذا الكلام: “يريد أن قيمة المرء همته ومطلبه” نفسه.
إذن فقيمة المرء تكمن في همته ومطلبه، فإذا كان صاحب همة عالية، فذاك دليل على كمال عقله.
قال ابن الجوزي رحمه الله: “من علامة كمال العقل: علو الهمة، والراضي بالدون دنيء.
ولم أر في عيوب الناس عيْبــاً *** كنقص القادرين على التمام”
اهـ “صيد الخاطر” (20)
وقال كذلك تعليقاً على هذا البيت (في موضع آخر) (وهو لأبي الطيب المتنبي) :”ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالإجتهاد، رأيت المقصر في تحصيله في حضيض.. والسيرة الجميلة عند الحكماء: خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل..
فكن رجلاً رجلهُ في الثرى *** وهامة همته في الثريــــا
ولو أمكنك عبور كل أحد من العلماء والزهاد فافعل، فإنهم كانوا رجالاً وأنت رجل، وما قعد من قعد إلا لدناءة الهمة وخساستها” اهـ (صيد الخاطر).
و قال ابن القيم رحمه الله: “إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البَطالة، ورَدِفَــهُ قمرُ العزيمة، أشرقت أرْضُ القلب بنور ربها” “الفوائد (445)، -فوائد الفوائد-“.
“فينبغي لنا جميعاً أن لا نقنع من الأعمال بصورها حتى نطالب قلوبنا بين يدي الله تعالى بحقائقها، ومع ذلك فلتكن لنا همة عُلوية، تترامى إلى أوطان القُرْب ونفحات المحبوبية والحب، فالسعيد من حظي من ذلك بنصيب” اهـ. “تذكرة الاعتبار والانتصار للأبرار” لعماد الدين بن إبراهيم الواسطي رحمه الله (25) بتصرف يسير.

علو الهمة والنظر في سير السلف الصالح
ومن أنفع الأمور المعينة على علو الهمة: النظر في سير السلف الصالح –رضي الله عنهم-.
قال ابن الجوزي -رحمه الله- : “فالله الله عليكم بملاحظة سير السلف، و مطالعة تصانيفهم، و أخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم.
(إلى أن قال) : وليكثر من المطالعة : فإنه يرى من علوم القوم، وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد” اهـ من “صيد الخاطر” (440) بتصرف.
وهذا هو المقصود من قول سفيان بن عيينة رحمه الله عندما قال: “عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة”(1).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: “..فتارة يكون المعلوم محبوبا يلتذ بعلمه وذكره كما يلتذ المؤمنون بمعرفة الله وذكره بل ويلتذون بذكر الأنبياء والصالحين ولهذا يقال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة بما يحصل في النفوس من الحركة إلى محبة الخير والرغبة فيه والفرح به والسرور واللذة، والأمور الكلية تحب النفس معرفتها لما فيها من الإحاطة التي توصلها إلى معرفة المعينات” الصفدية 269.
وقال الغزالي رحمه الله: “ومن نظر إلى الأحوال الغالبة على أهل الزمان وإعراضهم عن الله وإقبالهم على الدنيا واعتيادهم المعاصي استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه وذلك هو الهلاك.
ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر فضلا عن مشاهدته وبهذه الدقيقة يعرف سر قوله صلى الله عليه وسلم: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة” (2).
وإنما الرحمة دخول الجنة ولقاء الله وليس ينزل عند الذكر عين ذلك ولكن سببه وهو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الاقتداء بهم والاستنكاف عما هو ملابس له من القصور والتقصير.
ومبدأ الرحمة فعل الخير، ومبدأ فعل الخير الرغبة، ومبدأ الرغبة ذكر أحوال الصالحين فهذا معنى نزول الرحمة” الإحياء 2/231.
………………………………………….
1 – أخرجه أحمد في الزهد 394 ومن طريقه في “ذم الكلام” رقم 964، وابن المقرئ في ” المعجم” رقم 153، وأبو نعيم في ” الحلية ” 7/285، وابن عبد البر في “التمهيد” 16/39-40.
2 – حديث: “عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ” ليس له أصل في الحديث المرفوع وإنما هو من قول سفيان بن عيينة، انظر تخريج أحاديث الإحياء 2/210، وكشف الخفاء 2/ 763 في آخرين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *