سلسلة مرافعات في الدعوة السلفية المرافعة الثانية: (مكانة العقل في الفكر السلفي)! الجزء الأول: حقيقة العقل عند العلمانيين ذ. طارق الحمودي

 

أبدأ أولا بمحاولة تعريف حقيقة العقل الذي يدَّعيه العلمانيون لأنفسهم احتكارا وينفونه عن السلفيين ظلما واستكبارا!
العقل عند العلمانيين شبه إله يحكمونه في كل شيء -كذا زعموا-، جعلوه مصدرا مطلقا والاعتماد عليه دينا..
وقد سمى جون راندال في كتابه (تكوين العقل الحديث، المجلد الأول/الفصل الثاني عشر/ص:413) مذهبهم في ذلك.. (ديانة العقل) أو (ديانة الطبيعة)، بل وصف العقلانية العلمانية بـ (التأليه للعقل) وذكر في (1/414) أن عمل العقلانية عندهم هو: (إخضاع جميع الاعتقادات والعادات إلى مقاييس العقل والمنفعة في هذه الحياة)، إلى درجة أن جعلوا الفكر الديني لا يرى أي حاجة للوحي، فقد اتفقوا جميعا كما يقول براندال على أن الدين ليس حاجة غريزية ونتيجة فعل في النفس البشرية وإنما هو علم في الأساس كعلم الفيزياء..
بل صرح جون لوك بذلك فقال في (محاولة بخصوص التفاهم بين البشر/ An Essay Concerning Human Understanding) ص:510 كما في كتاب راندال:
(لم تبق حاجة أو نفع للوحي في مثل هذه الأمور كلها، طالما أن الله أعطانا وسائل طبيعية أكثر يقينا لنتوصل بها إلى معرفة هذه الأمور.. لأن الحقائق التي تتضح لنا من معرفتنا لأفكارنا أو تأملنا لها تكون دائما أوثق من تلك التي تأتينا عن طريق الوحي التقليدي).
ولذلك سماه بعض فلاسفة فرنسا الأوائل (أبو المثالية الحديثة) كما في (الفلسفة الفرنسية من ديكارت إلى سارتر).
ومع هذا كله فلن تجد اتفاقا بينهم على تعريف منضبط للعقل، كحالهم في كثير من الحقائق، فكيف أمكنهم أن يطالبوا بعد ذلك بتحكيمه وأن يكون قائدا للبشرية! وهم لا يعرفونه!! (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا).
يقول عبد العزيز الطريفي في كتابه (العقلية الليبرالية في رصف العقل ووصف النقل/21-22): (للنفس هوى دخيل يمتزج مع العقل فإذا لم يقتلعه كما يقتلع الزارع النباتات الأجنبية من بين زرعه فإنه لن ينتج نتاجا إلا وبه شائبة، وقد ينغمس شوك السعدان في الصوف فلا ينتزع إلا بمشقة ولا بد للعاقل أن ينتزع معه شيئا صحيحا من نتاج ليسلم له الباقي حيطة لدينه واحترازا من بقاء هوى النفس ولو قل.. وكثير من هوى النفس غلاب ويعرضه إبليس على عقل الإنسان دون إرادته).
وعقلهم عند تشريحه باستقراء مقالاتهم وكتاباتهم وتصريحاتهم ستجده الهوى لا غير!
فليست العداوة في الإسلام عندنا بين العقل والدين.. بل هي عداوة بين العقل والهوى كما قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد:
(ألقى الله سبحانه العداوة بين الشيطان وبين الملك، والعداوة بين العقل وبين الهوى، والعداوة بين النفس الأمارة وبين القلب، وابتلى العبد بذلك)!
وقال: (والعقول المضروبة بالخذلان ترى المعارضة بين العقل والنقل وبين الحكمة والشرع).
يزعمون أنهم يحكمون العقل بالعقل وهم في الحقيقة محكومون بالهوى. فانظر إلى حقيقة فكرهم سفسطة وتناقضات! لم يتفقوا على حقيقة فكرية واحدة سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية أو عقائدية كوجود الله إن كانوا يؤمنون!
كيف نثق بعقلهم وهم إلى الآن لم يستطيعوا أن يجيبوا إجابات معتبرة عن أسئلة فطرية “فلسفية” يشترك فيها العامي والمفكر!
من أين جئنا؟ ولماذا وجدنا؟ وإلى أين نمضي؟
بل صرحوا بعجز العقل عن إثبات وجود الله، ولذلك كثير من العلمانيين ملاحدة أو يقعون في الإلحاد.
يقول جون لوك في (نقد العقل المحض، ص:308، ترجمة موسى وهبة) أو (النسخة الفرنسة (Critique de la raison pure/p:508) متحدثا عن تجربة معينة أي تجربة في العالم الراهن بالنظر إلى قوام العالم ونظامه تكون حجة: (يمكنها أن توصلنا بأمان إلى الاقتناع بوجود كائن أسمى، ونسمي مثل هذا الدليل: الدليل اللاهوتي الطبيعي، فإذا كان هذا نفسه ممتنعا فلن يبقى هناك قط أي دليل كاف يمكن أن يستمد من العقل محض الاعتباري لصالح وجود كائن يتناسب مع فكرتنا الترسندالية!!)
فطبيعة العلماني الخالص تأبى إلا الإلحاد لأنه لا يؤمن بالغيبيات لأن عقله لا يقبلها!
وما ضر شمس الضحى والشمس بازغة ***** أن لم ير نورها من ليس ذا بصر
يقول كرين برنتون [Crane Brinton] في (تشكيل العقل الحديث/ص:120) وهو أحد كبار مؤرخي الفكر الغربي: (المفكر العقلاني يميل إلى الموقف القائل بأن المعقول هو الطبيعي، ولا وجود لشيء خارق للطبيعة ولا مكان في مخططه الفكري لقوى خارقة، ولا محل في عقله للاستسلام الغيبي لعقيدة ما)!!!
هكذا وصل بهم الغلو إلى تأليه العقل البشري الذي لا يستعمل من طاقاته في غالبية الحالات والناس أكثر من 10 من المائة عند الأذكياء!! فهل كل العلمانيين أذكياء..؟
ليس عندهم حدود للمساحات التي يقحمون عقولهم فيها مع ضعفها واضطرابها، وما يفعلونه في الحقيقة مغامرات وتهور وليس عقلانية، فالعقلانية استعمال الآلة في حدود طاقتها والمسموح لها بالعمل فيه كما نص صانعها!
هذا العقل الذي جرهم إلى إنكار وجود الله تعالى.. فإن لم ينكروا ذلك أنكروا لوازمه كالمعجزات والخوارق بل الوحي كله! فإن أثبتوه سموه ميتافيزيقا أي ما وراء الطبيعة والقوانين الفيزيائية لحركة الأشياء في الكون!
لقد صرح علمانيو الغرب بأن الكنيسة الكاثوليكية ليست علمية وبالتالي ليست عقلية؛ وأما العلمانية العربية فلم تستطع أن تقول ذلك؛ لأن الوحي علم رغم أنوفهم فقالوا: الكنيسة الإسلامية لا عقلية!!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *