لله درّك يا دور القرآن* إبراهيم بيدون

لا يمر شهر رمضان دون أن نتذكر حادثة إغلاق دور القرآن الكريم؛ حين أقدمت السلطات في العشر الأواخر من رمضان عام 1429هـ (شتنبر 2008م) على إغلاق أزيد من ستين دارا للقرآن الكريم بحجة انتسابها إلى “فكر تزويج الصغيرات” الذي يخالف ما نصت عليه مدونة الأسرة، وهو ما اعتبره العلمانيون ظلامية ينبغي اجتثات أصولها من خلال التضييق على كل من يمتح فقهه من معين الكتاب والسنة وأقوال وتفسيرات علماء الإسلام، فكانت النتيجة ضياع أسر وآلاف الطلبة وهجران دور القرآن التي تبكي اليوم على قرآن كان يتلى بين جدرانها آناء الليل وأطراف النهار، فللّه درك يا دور القرآن!

لقد كان إغلاق دور القرآن فاجعة على القائمين عليها والمستفيدين من أنشطتها، بل وتعدى الأمر إلى استنكار شريحة كبيرة من المغاربة هذا الإغلاق حتى أضحينا نسمع منهم كلاما من قبيل، هل في الوزارة والوزير القائم عليها خير وهو يغلق دورا كانت تعلم أبناء المسلمين كتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم؟
وأما أولياء الطلبة (خصوصا الصغار) فلهم موقف أكثر حنقا، تلمس منه مرارة الإحساس بضيعة فلذات أكبادهم الذين كانت تحتضنهم دور مباركة اجتهد كثير من معلميها على تحسين أخلاق طلبته، وهم يرون اليوم أبناءهم ينساقون وراء سياسة تتفيه وتسفيه ثقافتهم، وتمييع أخلاقهم وقيمهم، عندما تصور لهم كرة القدم وكأنها الفتح الذي ينبغي أن يسلكوا طريقه، وأن انتشار المهرجانات وتعددها هو السبيل لاستخراج مواهبهم وتحصيلهم للطمأنينة الروحية بواسطة غذاء الروح (الشيطانية البهيمية) -الغناء- .. فللّه درك يا دور القرآن! يوم كنت تعلمين الناس أن غذاء الروح هو القرآن، وأن اجتماعه بصوت الشيطان في قلب مؤمن لا يجتمعان.

للّه درك يا دور القرآن!
فكم من قتيل للأهواء استنشق عبير الحياة من جديد من نسائم خيراتك؟
وكم من جوعان تذوق لذة العبادة في صفاء منهجك، فلزم عتبة العبودية؟
وكم من عطشان ارتوى بحسن تلاوة القرآن بين جدرانك، فكان من أهل الله؟
وكم من مقرئ مجود للقرآن تخرج من أبوابك، فهو يصدح اليوم بالقرآن في ربوع مغربك؟
وكم من حافظ اليوم يعلم الناس القرآن، حفظ فوق طيب تربتك؟
وكم من صغير تعلم صفاء التوحيد والإيمان بربه من دروس مناهجك؟
وكم من عبد تفقه في دينه من خلال حضور مجالسك؟
وكم من موهبة ذات صوت حسن تفتقت في هذه الدور المغلقة، وها هم أهلها يمتعون الأسماع والقلوب في المساجد والمصليات؛ فكم فقد المغرب من مثل هؤلاء بسبب هذا الإغلاق الحائف؟
وكم من رجل وامرأة وشاب وفتاة تعلموا القراءة والكتابة، وهجروا زمن الجهل والأمية، في هذه الدور، والتحقوا بعد ذلك بركب حفظة كتاب الله عز وجل؟
وكم من شاب يئس حياة الضياع والانحراف، فآوته دار القرآن، التي تربِّي بالقرآن وبسنة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم، فصار فردا نافعا صالحا في المجتمع، بعد أن كان مفرطا ضائعا؟
وكم من أخت لبست في هذه الدور لباس العفة والحياء، وانسلخت من حياة التبرج والسفور، متأسية بأمهات المؤمنين، ونساء الصالحين؟
ختاما
إن أهل دور القرآن لم ييأسوا ولن ييأسوا من أن هذه الدور سيعاد فتحها من جديد، لأنهم ببساطة لا يعتبرون أنفسهم في مواجهة أحد، بل هم يعملون في إطار شرعي يدافع حقيقة عن الأمن الروحي والأخلاقي للمغاربة وهذه أسمى رسالة يحرص عليها شرفاء هذا البلد؛ الذين ليسوا على استعداد أبدا أن يتخلوا عن هويتهم الدينية الإسلامية السنية المالكية، لأجل تمكين أدعياء الحداثة من نواصي المغاربة وجرهم للقيم والمبادئ المادية العلمانية، لأن المغرب له خصوصيته الإسلامية القائمة على ما في كتاب ربنا سبحانه وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهما ما دأبت دور القرآن على تعليمهما للمستفيدين منها، فللّه درك يا دور القرآن!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لله درّك كلمة ثناء على الثدي الذي أرضعك، وفى مختار الصحاح: الدَّر اللبن، يقال فى الذم: لا در درّه، أي: لا كثر خيره..، ويقال فى المدح: لله تعالى درّه، أي: عمله، ولله درّه من رجل. وفي القاموس: ولله دَرُّهُ، أي‏:‏ عَمَلُهُ،‏ ولا دَرَّ دَرُّهُ‏:‏ لا زَكَى عَمَلُهُ‏.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *