التصوف السني بالمغرب حقيقة أم خديعة الحلقة السادسة أبو عبد الرحمن ذوالفقار بلعويدي

مفرق الطريق بين السنة والتصوف
أظن أنه لم يعد هناك أدنى شك لذا القارئ بعد اطلاعه في المقالات السابقة على بعض نقول أرباب التصوف كقول الغزالي مثلا: “لا إله إلا الله توحيد العوام، ولا هو إلا هو توحيد الخواص”(1). وكقوله أيضا: (كما أنه لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو، فإن عبارة هو عبارة عما إليه الإشارة، وكيفما كان فلا إشارة إلا إليه بل كلما أشرت فهو بالحقيقة الإشارة إليه)(2)، أن القضية عند التحقيق بين أهل السنة والمتصوفة، ليست قضية هل الجنيد ينتسب إلى تصوف سني سلفي، أو أنه ينتسب إلى تصوف بدعي فلسفي، كما يحاول دائما الاتجاه الرسمي الديني ببلدنا وبعض المتسننة ممن يحسنون صناعة المثالية الترويج لهذا الأمر عن عمد، قصد صرف العامة من الناس عن حقيقة المعركة. ولو كان الأمر يقف عند هذا الحد لكان هينا؛ لكنها قضية كل المتصوفة، إنها معركة عقدية مذهبية.
تأمل هذا القول للغزالي وهو يقرر معتقد المتصوفة بوضوح أكثر من سابقه عند حديثه عن الله في كتابه مشكاة الأنوار بقوله: “له نزول إلى سماء الدنيا وإن ذلك هو نزوله إلى استعمال الحواس، وتحريك الأعضاء، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: (صرت سمعه،.. الحديث)(3) وإذا كان هو سمعه وبصره ولسانه فهو السامع والباصر والناطق إذن لا غيره”(4).
هذا هو الغزالي أحد أكابر التصوف (السني)، وعقيدته هذه هي ما يطلق عليها أهل السنة إسم “عقيدة الحلول والاتحاد” وهي كفر عندهم.

مدلول “الحقيقة” في العقيدة الصوفية
هل سبق أن تساءلت أيها القارئ عن حقيقة مدلول قول الجنيد: “لا يبلغ أحد درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق”(5). وفي رواية “لا يكون الصديق صديقا حتى يشهد له في حقه سبعون صديقا بأنه زنديق..”.
بل لماذا نتلقى مثل هذه النقول والأقوال دائما بطريقة استهلاكية دون البحث أو الوقوف على حقيقة مراد أصحابها منها؟
أليست القاعدة عند أهل السنة هي: “كل يؤخذ من قوله ويرد” و”كل بحسب قوله”؟
لاسيما أن من كلام المتصوفة كأقوال الغزالي هذه ما ينافي التوحيد ويضاد الإيمان، ويناقض الإسلام.
أليس من المتبادر بداهة لدى كل مسلم عند قراءته كلام الجنيد أن يكون سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، هو أفضل من بلغ درج الحقيقة حسب تعبير الجنيد، ثم أصحابه رضوان الله عليهم من بعده، ثم الأمثل فالأمثل كل بحسب إيمانه؟
وهذا تنزلا مع المتصوفة في استعمال مصطلحاتهم، على فرض أن المراد من لفظ الحقيقة في كلامهم هو التحقق بأعلى مراتب الإيمان. حيث يصير الأمر إذا ما استبدلنا كلمة “إيمان” بكلمة “حقيقة” هذه التي هي في كلام الجنيد، على هذا الشكل: “لا يبلغ أحد درج الإيمان حتى يشهد فيه ألف مؤمن بأنه كافر”. أو حسب الرواية الثانية: “لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يشهد فيه ألف مؤمن بأنه كافر”!!!
وهذا أمر غير مسلم به ولا يقول به من يملك أدنى مسكة عقل.
نعم، لو أنهم قالوا (لا يكون الصديق صديقا حتى يشهد فيه ألف صديق أنه صديق) لكان ذلك مستساغاً…؛ ولكن إذا وجد المرء من المغفلين من يصدقه؛ فلماذا لا يفتري وليقل ما شاء.
أليس كلام الأولياء الصوفية السادة الأكابر لا يفهمه إلا الخاصة، بل خاصة الخاصة؟! هكذا يقولون دون وعي ولا تفكير.
فما أعجب حالهم، وكأن عقولهم مغلولة معطلة!!
على كل حال هذا كله يفيد أن مدلول “الحقيقة” في استعمال المتصوفة ليس المراد به في كلامهم أعلى مراتب الإيمان.
فهذا العلامة الصوفي سكيرج صاحب كتاب “كشف الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب” ينقل لنا عن الشيخ عبد الوهاب الشعراني من كتابه “الجواهر والدرر” ما يبين لنا حقيقة المراد من كلام الجنيد وذلك بقوله نقلا عن الشعراني: (سألت شيخنا رضي الله عنه عن قول الجنيد رضي الله عنه، “لا يبلغ الرجل درج الحقيقة …” ما المراد بدرج الحقيقة؟
قال رضي الله عنه -الكلام هنا لشيخ الشعراني جوابا عن سؤال الشعراني-: درج الحقيقة هو زوال هذا الوجود في الشهود، فإنه إذا شهد هذا المشهد لا يصير يرى إلا الله…). ثم يضيف السكيرج بعد هذا القول بيان سعد الدين التفتازاني صاحب كتاب “شرح المقاصد” بقوله: (السالك إذا انتهى في سلوكه إلى الله تعالى وفي الله سبحانه يستغرق في بحر الوحدة والعرفان؛ بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته، ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله سبحانه وتعالى..)(6).
فيا علماء المجالس العلمية أليس كتاب السكيرج هذا من كتب التصوف السني؟
وما معنى حفظكم الله قول القائل: تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته؟
وهل يعقل أن لا يكون الصديق صديقا حتى يشهد فيه الصديقون أنه زنديق؟
ومتى كانت الزندقة مقاما من مقامات الصديقية؟
اللهم إلا إن كان مقام (درج الحقيقة) في كلام الجنيد المقصود منه عنده عين باح به الحلاج، والذي مقتضاه أن يكون المخلوق عين الخالق، وأن الخالق هو عين الوجود، ومن ثم يصير كلام الجنيد له معنى معقولا ومدلولا مقبولا حيث يصير على هذا الشكل: “لا يبلغ أحد مقام اعتقاد وحدة الوجود حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق”. فيكون الصديق هنا في كلام الجنيد هو عالم الشريعة، والزنديق هو عالم الحقيقة، فتنبه.
ينقل السكيرج في تمام ما نقلناه من كتابه عن الشعراني من جواب شيخ هذا الأخير في الكلام السابق: “فلا يسع الصديق إلا أن يرميه بالزندقة غيرة على شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمراد بالصديق هو من سلك طريق الشرع على التمام والكمال وعادى من شطح عنها من أهل الوحدة…”(7).
فـ”الحقيقة” إذن أيها القارئ في مدلول كلام الجنيد هي مرتبة يصل إليها السالك باعتقاده أن لا موجود إلا الله، وذلك حين صيرورة المخلوقات في حقه وَهْمًا لا حقيقة له، كما عبر عن هذا شيخ الشعراني في جوابه عن السؤال عن المراد بدرج الحقيقة بقوله: زوال هذا الوجود في الشهود. وهذا عين ما عبر عنه أبو الفيض المنوفي الحسيني الصوفي بالفناء عن الأغيار أي الخلائق وذلك في قوله: “وإذا فني العبد عن الأغيار كملت معرفته لبقائه مع الحق… وإذا وصل من المعرفة إلى هذا الحد من التمكن شارف عين الجمع أي الحقيقة، وصار الجمع له حالا..”(8).
فالحقيقة الصوفية هي مقام تحقق الصوفي بصفات الرب في حال اضمحلال نفسه وفنائه عن وجوده، وشعوره باتحاد الخالق والمخلوق في ذات واحدة. فلا ثم خالق ولا ثم مخلوق، ولا ثم رب ولا ثم عبد، إنما هو هو. وذلك كما أخبرنا سابقا الغزالي عند كلامه عن توحيد الخواص وتوحيد العوام. هذا غيض من فيض أيها القارئ.
أو ليس الغزالي والتجاني والشعراني وسكيرج… وغيرهم ممن لم تتسع هذه السلسلة لذكر أسمائهم ونقل أقوالهم هم من أرباب هذا التصوف السني المزعوم؟!!
وصدق الله العظيم القائل: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}(9).
ـــــــــــــــــــــــــــ
1) مشكاة الأنوار ص:14.
2) المصدر نفسه.
3) حديث الولاية: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب..”.
4) مشكات الأنوار ص:15.
5) الفتوحات المكية 1/213.
6) كشف الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب ص373.
7) المصدر السابق.
8) معالم الطريق إلى الله ص:260.
9) سورة الزخرف الآية 58.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *