الصحة والشباب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) صحيح بخاري والترمذي وابن ماجه.
أخي الحبيب..
لا تغرك الصحة والقوة والشباب.. ولا تسير في ركب الحياة لاهياً ساهيا..
وتنسى وقفة الموت!! كم من صحيح سليم معافى سمعنا نعيه.. وكم من مريض سقيم طال أجله.. كم في القبور من الشباب والأطفال والرضع..
لا تغتر بشباب ناعم نظر       فكم تقدم قبل الشيب شُبان

موارد الظمآن 2/21.
نتشبث بهذه الدنيا ونتمسك بها.. لا نغادرها إلا مكلومين ولا نتركها إلا مُجبرين..
وقد دخل أناس على بعض الصالحين فقلبوا بصرهم في بيته فقالوا: إنا نرى بيتك بيت رجل مرتحل، فقال: لا أرتحل ولكن أطرد طرداً. جامع العلوم 460.
ودخل رجل على أبي ذرّ فقال: يا أبا ذرّ أين متاعكم؟ فقال: إن لنا بيتاً نتوجه إليه، فقال: إنه لابد لك من متاع مادمت هاهنا، فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا ها هنا. جامع العلوم 460..
في زمن تكالبت فيه المادة.. وتوسع الناس في المليهات.. إضاعة للأوقات وتهاون عن الطاعات.. فرطنا في الكثير.. وما أبقينا إلا القليل..
كل امرئ يجري من عمره إلى غاية تنتهي إليها مدة أجله وتنطوي عليها صحيفة عمله، فخذ من نفسك لنفسك، وقس يومك بأمسك، وكف عن سيئاتك، وزد في حسناتك قبل أن تستوي مدة الأجل وتقصر عن الزيادة في السعي والعمل. أدب الدنيا والدين 123.
قال الثوري وهو يحدثنا: رأيت شيخاً في مسجد الكوفة يقول: أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة أنتظر الموت أن ينزل بي، ولو أتاني ما أمرته بشيء ولا نهيته عن شيء، ولا لي على أحد شيء ولا لأحدٍ عليَّ شيء..
إذا كنت أعلم علماً يقينا          بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنيناً بها       وأجعلها في صلاحٍ وطاعة

البداية والنهاية 11/ 132.
قال رجل لحاتم الأصم.. ما تشتهي؟ قال: أشتهي عافية يوم إلى الليل، فقيل له: أليست الأيام كلها عافية؟ قال: إن عافية يومي أن لا أعصي الله فيه. صفة الصفوة 4/162.
وهذا من صلاح قلوبهم فإن من عرف الله لقيه سالماً، والويل كل الويل لمن ذهب عمره في الدنيا باطلاً.
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟
لنتوقف لحظات معدودة ونقلب صفحة يوم أمس.. كيف أمضيناه؟ ماذا عملنا فيه؟
هذه أعمارنا.. وتلك أيامنا..
إن كانت الأوقات ضائعة والنفوس ضعيفة.. فالعودة من قريب..
وإن كانت الأيام مرصعة بتاج الطاعة والأعمال الصالحة.. فطوبى ثم طوبى.. رزقنا الله مما رزقك وأعاننا على طاعته..
تمر الليالي والحوادث تنقضي         كأضغاث أحلام ونحن رقود
وأعجب من ذا أنها كل ساعة       تجد بنا سيراً ونحن قعود

شذرات الذهب 8/137.
عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: إنكم في ممر من الليل والنهار، في آجال منقوصة وأعمالٍ محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيراً فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شراً فيوشك أن يزرع ندامة، ولكل زارع ما زرع. صفة الصفوة 1/409، والفوائد 409.
أخي الحبيب: ماذا تزرع اليوم.. فهنا بذرك وغداً حصادك!! فانظر ما تزرع وما تحصد!!
قيل للحسن: ها هنا رجل لم نره جالساً إلى أحد، إنما هو أبداً خلف سارية وحده، فقال الحسن.. إذا رأيتموه فأخبروني به، قال فمر به ذات يوم ومعهم الحسن، فأشاروا إليه فقالوا: ذاك الرجل الذي أخبرناك، فقال: امضوا حتى آتيه، فلما جاءوه، قال: يا عبد الله: أراك قد حُببت إليك العزلة، فما يمنعك من مخالطة الناس؟
قال: ما أشغلني عن الناس، قال: فيأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه، قال: ما أشغلني عن الحسن وعن الناس، قال له الحسن: فما الذي شغلك يرحمك الله عن الناس وعن الحسن؟ قال: إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار للذنب والشكر لله على النعمة، فقال له الحسن: أنت يا عبد الله أفقه عندي من الحسن، الزم ما أنت عليه. صفة الصفوة 4/ 14.
وندم يحيى بن معاذ فقال.. لست أبكي على نفسي إن ماتت إنما أبكي على حاجتي إن فاتت. السير 13/15.
وما هي حاجته؟.. طاعة وعبادة… ونحن نبكي على أنفسنا وعلى حاجاتنا.. لا تزال
نروح ونغدو لحاجاتنا           وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته          وتبقى له حاجة مابقي

أدب الدنيا والدين 53
تمر بنا ساعات طويلة لا نذكر الله فيها ولا نسبحه ولا نكبره ولا نستغفره.. لننظر إلى العابد معروف الكرخي.. فقد قص إنسانٌ شارب معروف الكرخي.. فلم يفتر من الذكر فقال: كيف أقص؟ قال: أنت تعمل وأنا أعمل. السير 9/141.
من أعظم الأشياء ضرراً على العبد بطالته وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يُشغلها بما ينفعها، شغلته بما يضره ولابد. طريق الهجرتين 270.
لقد هاج الفراغ عليك شغلاً         وأسباب البلاء من الفراغ

قال أبو بكر الكتاني.. كان رجل يحاسب نفسه، فحسب يوماً سنيه فوجدها ستين سنة، فحسب أيامها فوجدها واحداً وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ صرخةً وخر مغشياً عليه، فلما أفاق، قال يا ويلتاه، أنا آتي ربي بواحد وعشرين ألف ذنب وخمسمائة ذنب؟!
يقول هذا لو كان ذنب واحد في كل يوم؟ فكيف بذنوب كثيرة لا تحصى، ثم قال: آه عليَّ، عمرت دنياي وخربت أخراي، وعصيت مولاي، ثم لا أشتهي النقلة من العمران إلى الخراب؟ وكيف أشتهي النقلة إلى دار الكتاب والحساب والعتاب والعذاب بلا عمل ولا ثواب.. وأنشد:
منازل دنياك شيدتها         وخربت دارك في الآخرة
أصبحت تكرهها للخراب   وترغب في دارك العامرة

العاقبة 31.
أخي.. أين نحن من هؤلاء..؟!
قال ابن السماك: أوصاني أخي داود الطائي بوصية: انظر لا يراك الله حيث نهاك وأن لا يفقدك من حيث أمرك، واستحيه في قربه وقدرته عليك. صفة الصفوة 3/142.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *