آيات تفهم على غير وجهها سورة الكهف -1- إبراهيم الصغير

– قوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً} (الآية: 5).
{كلمة} لا تعني مفردة واحدة وإلا فهم قالوا جملة، فقد {قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً}.
فالكلمة تطلق ويراد بها الجمل والتراكيب، وعندما تحضر محاضرة تقول ألقى فلان كلمة جيدة، بينما هو ألقى محاضرة كاملة.
قال الشيخ متولي الشعراوي في خواطره حول القرآن: «{كَلِمَةً} الكلمة قول مُفْرد ليس له نسبة كأن تقول: محمد، أو ذهبَ، أو في، فالاسم والفعل والحرف كل منها كلمة مستقلة، والكلمة تُطلَق ويُراد بها الكلام، فالآية عَبَّرتْ عن قولهم: {اتخذ الله وَلَداً} بأنها كلمة، كما تقول: ألقى فلان كلمة، والواقع أنه ألقى خُطْبة».
ومن ذلك قوله تعالى: {حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} (المؤمنون: 100)، فسمَّى قولهم هذا {كَلِمَةً}.
ومنها قوله تعالى: {قُلْ يا أهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} (آل عمران: 64)، فسمَّى كل هذا الكلام {كلمة}.
قال بن عاشور: «وأطلقت الكلمة على الكلام وهو إطلاق شائع، ومنه قوله تعالى: {إنها كلمة هو قائلها}، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل».
– قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} (الآية: 6).
كلمة {بَاخعٌ} تفهم على غير وجهها.
قال القرطبي «{باخع}: أي مهلك وقاتل».
قال صاحب اللباب في علوم الكتاب: «ومعنى: {بَاخعٌ نَفْسكَ} أي: قاتلٌ نفسك».
قال الطبري: «يعني تعالى ذكره بذلك: فلعلك يا محمد قاتلٌ نفسك ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا لك {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً} تمردا منهم على ربهم».
نظير ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (الآية: 3).
قال العلامة السعدي: «{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} أي: مهلكها وشاق عليها».
قال الشيخ الشعراوي: «ومعنى {بَاخِعٌ}، البخع: الذَّبْح الذي لا يقتصر على قَطْع المريء والودجين، إنما يبالغ فيه حتى يفصل الفقرات، ويخرج النخاع من بينها، والمعنى: تحزن حزناً عميقاً يستولي على نفسك حتى تهلك».
قال العلامة بن عاشور: «والباخع: القاتل، وحقيقة البخع إعماق الذبح».
قال الزمخشري: «إذا بلغ بالسكين البخاع -بالموحدة المكسورة- وهو عرق مستبطن الفقار، وهو هنا مستعار للموت السريع، والإخبار عنه بـ{باخع} تشبيه بليغ».
– قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} (الآية: 9).
{الرقيم}، إذا كان الكهف معروفا، فما الرقيم؟
اختلف المفسرون في معنى الرقيم الوارد في الآية على عدة أقوال:
قال الماوردي: «وأما الرقيم ففيه سبعة أقاويل، أحدها: أنه اسم القرية التي كانوا منها، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه اسم الجبل، قاله الحسن.
الثالث: أنه اسم الوادي، قاله الضحاك؛ قال عطية العوفي: هو واد الشام نحو إبلة، وقد روي أن اسم جبل الكهف بناجلوس، واسم الكهف ميرم، واسم المدينة أفسوس، واسم الملك وفيانوس.
الرابع: أنه اسم كلبهم، قاله سعيد بن جبير، وقيل هو اسم لكل كهف.
الخامس: أن الرقيم الكتاب الذي كتب فيه شأنهم، قاله مجاهد، مأخوذ من الرقم في الثوب، وقيل كان الكتاب لوحاً من رصاص على باب الكهف، وقيل في خزائن الملوك لعجيب أمرهم.
السادس: الرقيم الدواة بالرومية، قاله أبو صالح.
السابع: أن الرقيم قوم من أهل الشراة كانت حالهم مثل حال أصحاب الكهف، قاله سعيد بن جبير».
قال الطبري: «وأما الرقيم، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم: هو اسم قرية، أو واد على اختلاف بينهم في ذلك.
وقيل: الكتاب، وقال آخرون: بل هو اسم جبل أصحاب الكهف؛ -إلى أن قال- وأولى هذه الأقوال بالصواب في الرقيم أن يكون معنيا به: لوح، أو حجر، أو شيء كُتب فيه كتاب».
وأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة العربية وبعض آيات القرآن، أن الرقيم معناه: المرقوم، فهو «فعيل» بمعنى «مفعول» من: رقمت الكتاب: إذا كتبته، ومنه قوله تعالى: {كتاب مرقوم} الآية؛ سواء قلنا إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم، أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم، والعلم عند الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *