انتفاضة الزنوج في العاصمة الموريتانية؛ ما دوافعها؟ 2/2 د. محمد وراضي

نقطة أخرى لا بد من إثارتها، يتعلق الأمر بالتعاطف المتبادل، بين مختلف الزنوج المقيمين بموريتانيا، كلما وقع التصادم بينهم وبين خصومهم المستقوين بالنظام العسكري القائم. فقد سجلت هذه الملاحظة لعلاقاتي المباشرة مع بعض المثقفين من غير البيض، بل وحتى مع أشخاص عاديين من غير الموريتانيين، مع أنهم وجدوا بقدومهم إلى موريتانيا فرصة للشغل في مختلف المرافق. فالأعمال الشاقة لا يقوم بها غير السود، سواء في الزراعة أو في البناء، أو في إفراغ الشاحنات من مختلف البضائع أو السلع، أو في شحنها بمواد البناء الثقيلة كالإسمنت والحديد والحجر والرمل وغيرها من الحمولات كأكياس الدقيق وما إليها.
وإلى جانب أداء الزنوج للخدمات المشار إليها باقتضاب، وجدناهم يتعاطون بيع الثياب البالية، إلى حد أنني أعرف واحدا منهم لا شغل له ولا مشغلة غير ذلك منذ الصباح إلى المساء، وله -وهو المضحك والمبكي- ثلاث زوجات، لكنه وجد عزاءه في كونهن يشتغلن ببيع السمك، وببيع حلويات من صنعهن، أو ببيع الكسكس واللبن في الشوارع مباشرة بعد صلاة العصر، نظرا لكون موريتانيا تعرف الفصول الأربعة في يوم واحد.
ففي الصباح الباكر يهب عليها برد شديد، وبعد الساعة العاشرة تهب الزوابع الرملية من كافة الجهات! وبعدها تشتد الحرارة، وبعدها نشعر بفصل الربيع قد حل محل الفصول التي سبقته، وفي فصل الربيع هذا، تنشط الحركة التجارية، وتخرج النساء إلى الشارع لبيع منتوجاتهن التي تجلب الزبناء المتهافتين عليها لأنها لذيذة جذابة!
أما وقد غادرت موريتانيا في بداية فصل صيف عام 1988م، أي منذ 26 سنة، فإنني لم أعد على اتصال بالوضع هناك، فكل ما أعرفه، هو ما يصل إلينا عبر وسائل الإعلام التي عرفنا من خلالها كيف أن انتخابات حرة ونزيهة جرت هناك لاختيار رئيس الجمهورية منذ أعوام.
فقد تخلى الرئيس العسكري الأسبق عن السلطة لفائدة أول رئيس مدني ينتخبه الموريتانيون، بدل وصول أي عسكري إليها عن طريق الانقلاب الذي طالما فاجأ المراقبين والمواطنين، منظورا إليه من عدة زوايا، أبرزها الزاوية العنصرية للأسف الشديد.
لكن خصوم حرية الشعوب من العلماجيين المعززين بالقوى الأجنبية المستفيدة من خيرات البلاد (=الأسماك والحديد)، والراغبين في الاستفادة مما يمكن أن يكتشف على أرض موريتانيا لاحقا مما يزخر به بطنها من خيرات، قد تكون هي النفط أو الغاز أو معدن الأورنيوم الذي تتهارش الدول الاستكبارية عليه لضمان التحكم فيه من باب الغلبة للأقوى! أو من باب ما سماه «جان جاك روسو»: قانون الأقوى! على أساس تطبيق المكيافيلية بحذافيرها، دون تمجيد ما يعرف بالاستبداد لصالح الأمة! لأن الاستبداد في كل صوره، وفي كافة تجلياته مذموم باتفاق الأحرار عبر العالم.
كل ذلك أفسد الجو السياسي في بلد، لو أفلح فيه المسار الديمقراطي، لكان فخرا للعرب، بل ولكافة ما كان يعرف -ولا يزال- بدول العالم الثالث، أو بعبارة أخرى دول المؤخرة، لا بدول المقدمة التي ترفع راية التبجح بالحرية والديمقراطية، والإنسانية عالية!
ولم يكن غريبا أن يكون العسكري -وأكثر العسكريين تنقصهم الثقافة العامة- وراء عزل الرئيس المنتخب! بضغط لا شك ممن كان يصفهم اليساريون الاشتراكاويون أو الشيوعاويون بالأمبرياليين! ولا كان غريبا أن تحمل جرأته عداء سافرا لشعبه! فقد تعلمنا من انقلاب العسكر بالجزائر في أواخر الثمانينات من القرن الماضي على الشرعية، كيف أن الظلام العلماني المحلي، يجد دائما سندا وعونا من الظلام العلماني الغربي الذي جعل منه، أويريد أن يجعل منه نورا يقود البشرية في الحقيقة إلى الهاوية!!!
بحيث إن الأمر لم يعد يتعلق بالاعتداء المباشر على السود عبر مصادرة حرية اختيارهم التي جاءت نتيجة لنضالهم المرير ضد الظلاميين العسكريين! وإنما شمل الاعتداء جميع حملة الجنسية الموريتانية، بغض النظر عن انتمائهم السياسي والقبلي والعرقي.
وقبل عودتي إلى المغرب من موريتانيا، بدأت ملامح الحركة الإسلامية تتبلور، كما بدأت محاولات استقطاب الزنوج من طرف الأحزاب العلمانية في البلد، تتخذ بعدا سياسيا، هو في أذهان أصحابه خطة مستقبلية مرسومة لكسب الصراع على السلطة. وأبرز متزعمي هذه الخطة: أحمد ولد دادة، أخو الرئيس الأسبق المختار ولد دادة الذي أقصي عن السلطة على إثر الانقلاب الذي أطاح به. ولم أعد أعرف مدى تأطير الزنوج حزبيا من أية جهة معارضة على الخصوص. لكن المعارضة كما وصلتني بعض الأخبار من هناك، لا زالت تناضل وتتقوى. وما انتفاضة الزنوج الأخيرة في أوائل مايو 2014م إلا دليل على وجود دعم سياسي لانتفاضتهم تلك، مع أن النزعة القبلية تساند بدون ما تحفظ رئيس الجمهورية الحالية. بعيدا عن الزعم القائل بأن نفوذه أقوى من نفوذ معارضيه. يكفي تعرضه لمحاولة انقلابية منذ عامين، لندرك كيف أنه من طرف الشعب الموريتاني غير مرحب به، شأنه شأن جل قادة الدول العربية والإسلامية! وأن العداء بينه وبين الجماهير يزداد ضراوة، وأن كل احتمالات تعرضه لانتزاع السلطة منه بأية طريقة احتمالات واردة! حتى وهو قوي بفعل الدرع الذي تمثله المخابرات المدنية والعسكرية. إذ لا يستبعد -وهذا تقديرنا- أن يتعرض بدوره لانقلاب يقوم ضده في أية لحظة! فالدوافع القبلية في البلد جد معقدة! إذ لا تكفي الضباط الترقيات التي تزود رواتبهم الشهرية ليظلوا مخلصين لرئيس جاء بعد إلغاء الشرعية من جهة، وبعد فوزه في الانتخابات المزورة من جهة ثانية! وهو نفس المسار الذي عرفته مصر وتعرفه! إنها إن شئنا صورة طبق الأصل! عزل للرئيس الشرعي المنتخب! وخلع اللباس العسكري! والترشح لانتخابات نتائجها محسومة سلفا لفائدته!
إنها ثقافة عسكرية انقلابية، بها تشبع رؤساء الجمهوريات العربية منذ زوال الاستعمار الذي تركهم حلفاء له بأي ثمن! ولو على حساب اضطهاد الشعوب، واختطاف ووضع آلاف المناضلين في السجون المظلمة التي لم يعرف ذووهم أين يوجدون! فضلا عن إعدام الكثيرين إلى حد دفنهم في قبور جماعية كفعل المتجبر الطاغية: معمر القذافي! «فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين»!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *