لماذا انسحبت قوات المالكي من الموصل؟ (الصحوات في ثوبها الجديد)

تفاجأ كثير من المتابعين من الانسحاب السريع، والهروب الغريب لقوات الجيش العراقي من عدد من المدن السنية في العراق، ولتفسير هذا الحدث ينبغي ملاحظة عدد من المعطيات من أبرزها:
انهيار معنويات الجيش الحكومي الشيعي تحت ضربات العشائر العراقية السنية، وما يسمى بتنظيم الدولة وغيرها من المجموعات الإسلامية؛ فالكلفة العسكرية والمالية للحملة الإجرامية للمالكي على أهل السنة لم يستطع تحملها، والمقاومة التي لقيها المالكي حطمت آماله في القدرة على السيطرة على الأنبار وغيرها من المناطق السنية.
ولهذا السبب فان المالكي يريد الحفاظ على جيشه الطائفي من التفكك والانهيار فقرر الانسحاب من المدن السنية سعيا وراء تدشين مرحلة جديدة من الصحوات.
فالمالكي يأمل أن يحدث فتنة بين سكان هذه المدن، وكذلك يتمنى أن يدخل البشمركة على الخط تحت ذريعة محاربة الإرهاب، والخوف من تقدم ما يسمى بتنظيم الدولة تدريجيا للسيطرة على المناطق الكردية، وبهذه الآمال يظن المالكي أن المدنيين من السنة والبشمركة سوف يكونون حلفا جديدا من الصحوات، وبهذه الخطة الماكرة يحقق محاربة أهل السنة من الداخل ويحافظ على جيشه الطائفي.
وأكبر العوامل في انهيار المقاومة العراقية للأمريكان والرافضة قيام الصحوات والاقتتال الداخلي في الوسط السني، والرافضة يدركون جيدا أنهم لا يستطيعون مقاومة أهل السنة إذا اتحدوا مع أنهم يعانون من نقص الإمكانات وضعف التجهيزات، ولا ينقذهم من هذه الأزمة سوى إعادة إنتاج الصحوات بصورة جديدة، وهذا ما بدأ العمل عليه الآن.
وأهل السنة في العراق أمام مفترق طرق في غاية الخطورة، والواجب عليهم مراعاة فقه الموازنات الشرعية في هذه النوازل الدقيقة، ويجب عليهم الاستفادة من الأحداث القريبة، فليس من مصلحتهم الاقتتال فيما بينهم أو بينهم وبين من ينافح عنهم أو يقف في صفهم، والواجب الصبر على الأخطاء، وإعادة كرة المالكي الخبيثة عليه وهي ملتهبة فهذا خير لهم من الدخول في صراعات تقوي خصومهم وتضعف المشروع السني في العراق، ولعل هذا ما انتبهت له العشائر بعد فض الاعتصام.
الإشكالية الخطيرة أن الاختلاف بين أهل السنة يضرب بأطنابه، فهناك المنهزمون، والانتهازيون، وأصحاب المصالح الشخصية، والحزبية فهؤلاء يصبون في إناء الرافضة ويخدمون الأهداف الصفوية، ولا يصلحون لقيادة المشروع السني في العراق.
وما يسمى بتنظيم الدولة متطرف الرؤية، مغرق في الغلو، وغير قادر على استيعاب الظروف المحلية والإقليمية والدولية، ولا يستطيع احتواء العشائر وعامة المجتمع السني ولا يحسن التعامل مع المجموعات المقاومة، ويمتلك رصيدا كبيرا من سوء السمعة في العراق لأنه يتعامل بصورة منفردة، ولا يفكر بعقلية تشاركية تتصالح مع الآخرين، فضلا على أن البعض يستريب من تحركاته ويفتقد كثيرا من الثقة فيه، فالتنظيم يرى أنه دولة مكتملة تتمدد ويجب على الآخرين الخضوع لأوامره، وأن الخارج عن طاعته يموت ميتة جاهلية.
ولا يبقى سوى علماء العراق وعشائره من أهل السنة الذين فطنوا لأساليب الرافضة، فرفضوا العملية السياسية بوجهها الحالي مع الرافضة وعرفوا عقمها ويرون المخرج في رفض حكومة الرافضة ومواجهتها وفق السياسة الشرعية ومراعاة مصالح أهل السنة في العراق في هذه الفترة القاسية، وهؤلاء يرجى أن يكونوا أوسط أهل السنة، وأحسنهم تدبيرا، وأعقلهم تصريفا.
بقي أن نقول أنه مهما ذكرنا من غلو وأخطاء وعلامات استفهام حول ما يسمى بتنظيم الدولة فإن الحكمة تدعو السنة في العراق إلى عدم التورط في مواجهتهم وإنجاح مشروع المالكي، فالخطوات الضرورية التي يجب اتخاذها هي الإعلان عن معالم المشروع السني والمطالب الشعبية السنية والموقف السياسي السني الذي يدعمه الشعب ويدعمه قادة الرأي فيه والتشاور في تشكيل مجالس شورية تدير الموقف على الأرض، والتحلي بالصبر وحسن الأخلاق في التعامل مع كافة الأطياف، وتعزيز روح المشاركة الإيجابية، والحوار، وبناء الثقة مع الجميع، والصبر على كل التجاوزات من كل المكونات السنية، سعيا وراء مزيد من الكسب على الأرض.
فالهدف هو سقوط مشروع المالكي الصفوي وليس السيطرة على بعض المدن، فالتقدم والضغط على المالكي، وإعلاء صوت العقل وعدم التورط في الاقتتال الداخلي هو المخرج والمنفذ المهم للخروج من سلبيات خطة المالكي الغادرة، وما يمكن أن يتوقع من خطط أخرى غربية أو شرقية.
مركز التأصيل للدراسات والبحوث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *