يقول جون هيس في كتابه “كتب فولتير”: “الإمبراطورية المغربية التي تمتد إلى غينيا تحت مناخ جيد وأرض خصبة ومتنوعة أكثر غنى، وبها أحسن فواكه الدنيا” (ص: 94)، أما إركمان فيعتقد أن المغرب لن يتحضر طوعا، لأن المغاربة لم يحتكوا بالحضارة مثلا، أما كامبو فيرى أنه “يجب علينا أن نأخذ المغرب لأنه بلد غني” (ص: 93)، “لأن هذا البلد -كما يقول هيس- يعطينا قوة جديدة سواء للدفاع عنا أو عنها” انتهى.
“وهو ما تحقق بالفعل، فبالقوات الشريفة تم غزو فرنسا للمغرب، وبتلك القوات تم تحرير فرنسا في الحربين العالميتين دون أن يستفيد المغرب من مشاريع التعويضات المدفوعة بعد الحرب، بل كان الجزاء بعد الحرب الأولى إدماج المغرب في التراب الفرنسي كمقاطعة تموين، وبعد الحرب الثانية الاعتداء على من اعتبرته رفيق التحرير دون مراعاة لما أسدى لها من صنائع لن توفيه حده شكرا وامتنانا” La question du Maroc.
أما روني ميل، المقيم العام السابق في تونس، فإنه يقول في ندوة أقيمت بباريس سنة 1908، نشرت في مجلة الفرنسيين، ص: 650: “الإسلام مناهض للحضارة العصرية، لكنه قابل للاختراق على الوجه الأكمل للحضارة التي عرضناها لأن الإسلام في الأصل كان حركة عتق وتحرير، وضد الاستبداد والطغيان المعاصر، وقداسة الإمبراطورية البيزنطية، وعاش في وئام طيلة قرن مع الحضارة الغربية”.
“لكن بعد ثلاثة قرون من القرصنة والقصف والإغارة وجدنا أنفسنا بحضور الإسلام الإفريقي، يتبادل فيه الضغط قرآن محرف مشوه محمل بتطبيقات قريبة من الإلحاد مثل ممارسة الأولياء، وزهو أوربي مجرد من اللياقة يضرب خاصة دواخل أدوات الحضارة” (ص: 651).
أما لوكليرك فيقول في رسالة استقالته من تمثيله لهيئة المغرب، بعدما كلف من طرف المخزن بإنشاء الجريدة الرسمية للمملكة الشريفة، وإقامة مطبعة رسمية لذلك في 31 يناير 1912، وفي ذلك يقول: “لي الشرف أن أخبركم بأن الحكومة الشريفة كلفتني بمهمة تنظيم وإدارة مصلحة جديدة للدولة، وهي إنشاء المطبعة الشريفة والجريدة الرسمية المغربية، التوضيحات والامتيازات المقدمة بالنسبة لي عن الوضعية تجعلني أقبل العرض المقدم لي.
لا أخفيكم ارتياحي للثقة التي وضعت فيّ من قبل جلالة السلطان والوزير الكبير محمد المقري، كما أحيطكم علما بدعم وزير الخارجية رونو لهذا التعيين.
إني أتأسف على تقديم استقالتي من تمثيل الهيئة بطنجة بعدما أصبحت موظفا شريفا، ولن أنسى الارتباط بالهيئة منذ 1904، والتكليف الذي جعلني كممثل لها سنة 1905.
من 1904 إلى 1912 جرى الكثير في المغرب مما لا ينسى من أجل تثبيت قدرتنا بهذا البلد، وأنا سعيد بأن أرى يوما بعد يوم إنشاء وإقامة فصول من تاريخ المغرب تحت أعيننا، وأهنئ الذي ساعد من قريب أو بعيد على هذا الانفلات الذي كان أحيانا دراميا، والذي قاد فرنسا نحو حماية المغرب، والذي تم انطلاقه منذ ثمان سنوات تحت أعين سلطة مواطنينا. توقف مهمتي بطنجة لن يمنعني من التعاون مع الهيئة.
فرنسا ستبدأ العمل في هذه البلاد الجميلة من الآن فصاعدا كمُلك مستعمر، وسيتمكن كل فرنسي مقيم بالمغرب من أن يضع حجرا في المؤسسات الثابتة المقامة فيه” (إفريقيا الفرنسية 1912، ص: 27).
يقول مراسل التايم في كتابه “مع الجنرال دماد بالغرب”، ط. 1909: “مصاحبة الجنرال دماد في بلاد الشاوية تسجل مرحلة في تطور إفريقيا، إذ لأول مرة ينتصب فيها عَلم قوة أوربية داخل المغرب، ويبرهن للمغاربة المتعجرفين بأنه ليس هناك ملجأ يتعذر بلوغه.
طبعا المسار الطويل بالتأكيد لم ينته بعد، لكن التاريخ سيسجل انتصار الجنرال دماد كحلقة من حلقات سلسلة أنشئت من طرف شارل مارتيل أثناء تجوله” انتهى منه.
أما الجنرال ليزو فقد جاء في كتابه “Notre politique au Maroc”: “منذ بضع سنوات تكتب الصحف عن هجمات كثيرة يتعرض لها جنوب وهران تقوم بها قبائل مغربية على شكل عصابات للنهب خارجة من واحات فكيك. الرأي العام يتساءل لماذا تتجدد هذه اللصوصية، ولماذا لا تحمل المسؤولية لسلطان المغرب المجاور؟
بعد قضائي 16 سنة في وهران ها أنا ذا اليوم بعد تقاعدي ارتأيت أن أنشر نتائج أبحاثي وثمرة ملاحظاتي.
لقد لاحظت أن المغرب مصمم على العيش مسلحا، وقد حاول سنة 1844 استعمال ترسانة أسلحته ضدنا فجاءت النتائج عكس ما أراد بحيث تم الانتصار عليه في معركة اسلي، ووصل جيشنا إلى وجدة وهاجم أسطولنا طنجة وموكادور (الصويرة)، وبذلك خضع المغرب لإرادة الله، وبذل بقائهم يحلمون بتلمسان طلبت فاس السلام مع المنافس الخصم الذي هو فرنسا، فوقع في السنة الموالية اتفاقية تثبيت الحدود بين المغرب والجزائر.
ملخص المسائل البئيسة بين المغرب وفرنسا
لم يسبق أن أمنا هذه الإمبراطورية باتفاق كيفما كان يبين لنا تراجع إرادة الغزو، وإن كان قد سبق لنا اقتراح شكل من أشكال العلاقات معها، فمنذ غزونا الجزائر صرنا جيرانا للمغرب، وأصبحنا البلد الأوربي الوحيد الذي له معه حدود مأهولة.
ومن أجل تحديد الحدود الفرنسية المغربية يجب وضع فرضية حرب مع جيراننا للوصول إلى ذلك، وتجدر الإشارة إلى أن الوكالات الأجنبية المنتشرة على الساحل إذا ما وقع عليها اعتداء فإن الدول الأوربية تتدخل مما يجيز لنا القيام ببعض العمليات البحرية على المحيط، كقصف ميناء أو أكثر وفق ظروف خاصة، لكن علينا النظر في حجج المغرب قبل اللجوء للعمل البحري أو القيام بتفجير الوضع على أرض فكيك.
يجب إفهام خصومنا بأن مقاومتهم خلف الأسوار لن تصمد في وجه قواتنا، لذلك فقصف فكيك سيترك صدى مدويا ضخما بالمغرب، وسنستقبل في نفس ميدان المعركة ثمرة انهيار المعنويات التي كانت تنتج العداء، فاحتلال فكيك يمثل ضربة معنوية للأعداء، فكان لزاما التحضير له في زمن السلم.
السلطان لن يعمل شيئا من أجل الاستيلاء على الواحة من قبلنا، بل سيحتفظ بقواته لمواجهتنا ونحن في الطريق لعاصمته. ضرب فكيك أمر لا مفر منه، لأننا استغنينا عن الذهاب إلى تافيلالت ما دمنا سنجني النتيجة الهامة بالذهاب إلى فاس.
ليس من المنطق أن نبدد مخصصات قواتنا في مجموعة من الأشياء الثانوية. التقدم يجب أن يكون باحتلال التل المحاذي لوجدة، والاستيلاء على تلك المدينة الصغيرة قبل فكيك، فليس هناك سوى 25 كلم ما بين مركزنا في لالة مغنية وبينها، كما أنه ليس لها دفاعات ضد المدفعية، خاصة مدفعية الميدان التي يسهل نقلها من لالة مغنية أثناء الزحف نحو وجدة لتكون تحت أسوارها قصد التعامل مع أية مقاومة محتملة بالمدينة.
وجدة يجب أن تكون رأس الخطوة للحرب التي ستقودنا إلى فاس، وجعلها قاعدة للتموين من جميع الأشكال من وجدة إلى فاس.
هناك 330 كلم من الطريق التي تمر عبر مدينة صغيرة تسمى تازة التي تبعد بـ130 كلم عن هذه العاصمة غرب ملوية، إضافة إلى سلسلة الأطلس التي تمتد على جغرافيتها، وتضم ساكنة ما بين 5 و6 آلاف نسمة، نصفهم يهود ينشطون في التجارة، ويقدمون لنا عند الاقتضاء قاعدة مباشرة ضد فاس.
طريق وجدة تازة هذه يمكن تقييمها كالتالي؛ اسلي 8 كلم، قصبة بوسماعيل على وادي زا 45 كلم، ملوية 35 كلم؛ المجموع 128 كلم، سنصبح على مقربة من الجبال جنوب الطريق، يمكن العثور أحيانا على الماء، وجزء من المراحل يمكن لكولون قوي أن يتقدم فيه بعدة مراحل على ملوية. إذا كان الوقت مطيرا وجب إنشاء قناطر ومجازات للخيول، وبعدها يمكن تثبيتها لتصبح صالحة للمرور باستمرار بالرغم من رخاوة تربتها. المرحلة الأولى في ملوية ستكون قصبة امسون على الضفة اليسرى لملوية على بعد 35 كلم، ثم بعدها مضايق تاملو في مرتفع يصل إلى 1000م، حيث ملتقى منبع وادي سبو الذي يصب في الأطلسي. تازة توجد على بعد 20 كلم من المضيق، المنطقة وعرة ومأهولة بسكان مقاتلين فوضويين نهاب، لهم علاقة بقائد السلطان المتواجد بتازة، وبين تازة وفاس.
بين تازة ووجدة هناك عدة قصبات أقيمت من طرف السلطان تنشط التجارة وتحمي المؤن في الطرقات، ويقيم بها جنود السلطان ومسلحو القبائل المجاورة الذين ينتدبهم السلطان ليكونوا شرطة بين تازة وفاس، وكذلك بين فاس ومراكش.
كثير من القصبات دون حماية عسكرية، ومن السهل تحويلها للقيام بعمليات التواصل مع الجزائر. من المحتمل نشوب حرب مع المغرب، لذلك لابد لنا من البحث عن سلام معه لغاية حدود أسوار فاس، لأن المؤكد أن ردود هذه المدينة ما تزال خطيرة بالنسبة للمسيحيين منذ تأسيسها، وسيبقى دويه كبيرا في المغرب، وسيؤدي إلى ثورة احتجاجية عند اجتياحها من قبلنا في أجزاء كبيرة من الإمبراطورية الشريفة، ليس من السلطان ولا الجنود شبه النظاميين، ولكن من الشعب المغربي الذي سيقاوم بالتأكيد الاجتياح المسيحي للبلاد كما يحدث لنا بالجزائر”.