نــعـمـــــة العـلمــــــاء عبد القادر دغوتي

أسبغ الرب الكريم نعمه على العباد ظاهرة وباطنة؛ ومن نعمه جل وعلا: «نعمة العلماء»، والمقصود بالعلماء: العلماء الراسخون في العلم، العارفون بالله تعالى، الذين يفهمون عن الله ورسوله خطابهما ويُبلغونه للناس بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم بصدق وأمانة، بلا تحريف أو تبديل، وبلا زيادة أو نقصان.
وقد أثنى الله على العلماء ورفع قدرهم وأعلى شأنهم، فقال تبارك وتعالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» (الزُمر9)، وقال: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» (المجادلة11)، وقال: «إنما يخشى الله من عباده العلماءُ» (فاطر28).
وأخبر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أن العلماء هم أهل الحظ الوافر من كل خير، قال عليه الصلاة والسلام: «من يُرد الله به خيرا يُفقههُ في الدين»1، وقال: «وإن العلماء ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورثوا دينارا ولا درهما؛ وإنما ورَثوا العلم، فمن أخذهُ أخذ بحظ وافر»2.
مظاهر وتجليات «نعمة العلماء» على الأمة المحمدية
يُعتبر العلماء نعمة، للخير العظيم المقرون بوجودهم، فإنهم إن قُبضوا؛ قُبض معهم ذلك الخير وحل محله الشر والفساد. قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضُ العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالما؛ اتخذ الناسُ رؤوسا جُهَالا فسُئلوا، فأفتوا بغير علم؛ فضلَوا وأضلوا»3.
ولهذه النعمة الجليلة مظاهر وتجليات متعددة، أذكر منها الآتي:
1 ـ دفع الجهل عن الناس:
إن الجهل داء بل هو أصل كل داء؛ فبسببه يقع الناس في الشرك بمختلف أنواعه ومظاهره، وبسببه يستحسن الناس البدع ويعضون عليها بالنواجذ، ويزهدون في السنة ويتعبدون الله تعالى بمقتضى الهوى والتشهي، وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعا …
والعلماء الربانيون الراسخون هم الدواء الذي يدفع الله به عن الأمة داء الجهل، إذ يُعرفونهم بالله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويدلونهم على المنهج الشرعي الذي يُعبد وفقه اللهُ سبحانه وتعالى .
فمهما عبد العابدون، فلا ترقى عبادتهم إلى المقام المطلوب إلا إذا وافقت «العلم» الذي ورثه العلماء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. وبهذا يُكتب للعالم فضل عظيم على العابد.
قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يُورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر»4.
الجهل ظلمات بعضها فوق بعض؛ إذا أطبقت على العبد منعته من الرؤية، فلا يكاد يرى طريق الحق ولا يميز بينه وبين طريق الباطل، ولا يكاد يُبصر محارم الله وحدوده الفاصلة بين الحلال والحرام، مهما كان الحرام بينا والحلال كذلك، فكيف بما بينهما من مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس!!
والعلماء الربانيون الراسخون هم النور الذي يُنير اللهُ به الطريق للناس، فيُخرجهم من الظلمات فإذا هم مُبصرون. قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله-: «فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام. فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، وبهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجاتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب…»5. ويُقال: «العلماء سراج الأزمنة، فكل عالم مصباح زمانه يستضيءُ به أهلُ عصره»6.
2 ـ كشف الشبهات ودفعها
قد تردُ على المسلم شبهات كثيرة تتعلق بمختلف مسائل الدين، في القرآن والسنة والسيرة النبوية وتاريخ الإسلام وسير الصحابة، وفي العقيدة والشريعة والشعائر التعبدية. وقد يكون لتلك الشبهات وقع كبير على المسلم فتزلزل إيمانه وعقيدته، وتُشوش عليه دينه …ولعل زماننا هذا يُعد زمن تسلط الشبهات وتفرعها وانتشارها؛ ذلك لأن أهلها من شياطين الإنس يملكون من وسائل نشرها وإشاعتها ما لم يكن متوفرا في الأزمنة السالفة .
فنحن اليوم في زمن الفضائيات والإنترنت، حيث تُنصب الشباك والمصايد؛ شباك ومصايد الأفكار والآراء الهدامة التي تُدثر بدثار البحث والموضوعية والاجتهاد والتجديد، من أفكار الشيعة والعلمانية واللبرالية والإلحاد وغيرها من ثمار وحي الملل والنحل القديمة والحديثة. وقد وقع في تلك المصايد كثير من شباب الأمة، ولُبَس عليهم ونُوموا تنويما مغناطيسيا ثم جُندوا، فصاروا سهاما في كنانة العدو يطعن بهم الأمة ويمزقها شر ممزق!!
لكن من نعمة الله تعالى وفضله أنه يُخرج من رحم هذه الأمة علماء ربانيين مجاهدين يقطعون بسلاح العلم رؤوس الشبهات ويكشفون مساعي المحرفين والمبطلين .قال النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»7.

3ـ تجديد الدين
مع طول الأمد يخفت نور الايمان في قلوب العباد فتقسوا ويعلوها الرَّان، فإذا هم يخالفون شرع الله عز وجل ويخرجون عنه، ويُحكمون شرائع البشر في شتى مجالات الحياة، قال الحق تبارك وتعالى: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» (الحديد16).
ومع طول الأمد تتكاثر البدع والطفيليات الضارة التي تتعلق بالدين فتُخفي كثيرا من معالمه وحقائقه، وتُشوه صورته بالخرافات، وتُصيره طقوسا جوفاء، وتُثقله بالشدائد والأغلال…
مع طول الأمد ينسى أو يتناسى الناس كثيرا من السنن، حتى تموت وتختفي، فيموت ويختفي ما جعل الله فيها من خير وفضل …
مع طول الأمد تنزل بالناس نوازل ومستجدات لم يكن للسابقين من هذه الأمة بها عهد، فيحتار الناس في أمرها، ويتساءلون عن حكم الشرع فيها؛ ومعلوم أن الشريعة صالحة ومُصلحة لكل زمان ومكان، وفي مصادرها جواب عن كل سؤال وحديث عن كل حادث مهما تقدم الزمان واتسع المكان ومهما تغيرت الأحوال وتعددت الأعراف… لكن بيان ذلك وتفصيله يكون من أهل العلم.
أمام هذا الوضع تشتد حاجة الناس إلى العلماء الراسخين المجددين، الذين يمن الله بهم على الأمة فيجددون لها دينها، ويبعثونه في النفوس، ويُبيَنون حقائقه ويُحيون سننه، وينفون عنه البدع والشبهات، ويُقدمونه للناس على صورته الأولى الصافية النقية. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»8.
– ونظرا للمسؤولية العظيمة التي حملها الله تعالى للعلماء؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يُبشرهم بما أعد الله لهم من جزاء حسن إذا قاموا بواجبهم حق قيام، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جُحرها، وحتى الحوت ليُصلون على معلمي الناس الخير»9.
وفي المقابل توعد من قصَر منهم ولم يوف العلم الذي رزقه اللهُ حقه من التبليغ والتعليم -توعده- بالعذاب الشديد، فقال عليه الصلاة والسلام: «من سُئل عن علم فكتمه؛ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار»10.
ــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ صحيح البخاري71، وصحيح مسلم1037/100
2 ـ سنن أبي داود3641، وسنن الترمذي2682.
3 ـ صحيح البخاري100، وصحيح مسلم2673.
4 ـ صحيح الجامع للألباني، رقم6297.
5 ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/9.
6 ـ تنبيه الغافلين، أبو الليث السمرقندي، ص305.
7 ـ مفتاح دار السعادة، الإمام ابن القيم، 1/163.
8 ـ سنن أبي داود، كتاب الملاحم ، باب ما يُذكر في قرن المائة.
9 ـ سنن الترمذي2685، وقال:حديث حسن.
10 ـ سنن أبي داود3658، وسنن الترمذي2649، وقال: حديث حسن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *