من أسس صلاح القلوب طارق برغاني

لأحوال القلوب تجليات دالة على صلاحها ومظاهر مؤشرة على صفائها، تختلف بحسب المواقف والسلوكات والأعمال والطاعات، كما لها أسس ينبني عليها صلاحها ومبادئ تستقيم عليها سلامتها، والمؤمن في الدنيا يسعى جاهدا لإصلاح قلبه ويحرص على ضمان سلامته، اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وابتغاء لرضا الله تعالى والفوز بجنته.
يقول الله تعالى مخبرا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: “قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” الشعراء: 75-89.
يظهر من هذه المناجاة الصادقة وهذا التضرع الخالص، صدق اللجوء إلى الله تعالى وإقرار وحدانيته والتبرؤ من كل طاغوت شركي باطل ومن كل رمز بدعي متهالك، وهذا الاعتقاد الصحيح أصل من الأصول الذي يتأسس عليه صلاح القلب ومبدأ من المبادئ التي تستقيم عليها سلامته، وتستتبعه أسس وقواعد أخرى تشكل منبتا حسيا مناسبا وبيئة روحية صحية لنشأة القلب على الصلاح.
نزول الوحي الرباني:
وغايته تبليغه والعمل بمقتضاه، ولما كان القلب مستقرا للوحي وحاضنا له صار هذا الوحي بذلك الطاقة المغذية للفؤاد بالحركة والعمل في التبليغ وبالفعل في الإنذار والتبشير، “وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ” الشعراء: 192-195.
وإن كانت هذه المهمة مسؤولية الرسل والأنبياء على سبيل الأصل والابتداء فإن المؤمن لا يستثنى من أدائها بل يعتبر القيام بها واجبا عليه من سبيل تحمل الأمانة وأداء الرسالة تبليغا وتعليما، إرشادا وتوجيها، وذلك اقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثالا لما أمر به، “بلغوا عني ولو آيةً، وحدثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرجَ، ومن كذبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأْ مقعدَه من النار” البخاري: 3461.
الإيمان:
وثمرته الهداية، لأن الإيمان بوصلة القلب ومنارته التي يستضئ بها كلما اشتبه عليه أمر أو التبس عليه خطب أوحلت به نائبة أو عرضت له فتنة أو اعترضه عسر أو ضاقت به السبل أو نزل به ابتلاء، فتحقيق الإيمان بالله سكينة للروح، وراحة للنفس، وهداية للقلب، “مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” الطلاق:11.
معاينة معجزات الله عز وجل:
وثمرته الطمأنينة، لأن معجزات الله آيات على قدرته ووحدانيته، دلالات على عظمته وسلطانه، شواهد على فضائله ونعمه، ومقتضاها التصديق والتسليم في الاعتقاد ثم إبداء مظاهر الخضوع والاستسلام في الطاعات والعبادات، وآثارها اطمئنان القلب الموجب لثباته على ما استقر فيه من الإيمان، “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” البقرة: 260.
فهذا حال من صلح قلبه وزكت نفسه، أما من ساءت سريرته وفسد قلبه، فمهما شاهد من معجزات وعاين من آيات ما أثمرت فيه بذرة إيمان ولا حركت فيه ذرة صلاح، وهذا حال بني إسرائيل بعدما نقضوا عهود الله تعالى ومواثيقه، “وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ” النساء: 154-155، وغيرهم من المشركين والكافرين ممن طغوا واستكبروا واستهزأوا من بعد ما رأوا من الآيات، “تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ” الأعراف:101.
اتباع الرسل:
وثماره صحة القلب واستمرار حياته واستجماع قوته، لأن رسل الله، باعتبار مهمتهم، هداة للعباد وقادة إلى رشاد فما كان من أمر فيه منفعة للناس إلا وأرشدوا إليه وما كان من شأن فيه مضرة للخلق إلا وحذروا منه، يقول ابن القيم رحمه الله: “…فأما طب القلوب، فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل لحصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم، فإن صلاح القلوب: أن تكون عارفة بربها وفاطرها، وبأسمائه وصفاته، وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ولمحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه. ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا سبيل لتلقيه إلا من جهة الرسل. وما يظن -من حصول صحة القلب بغير اتباعهم-فغلط ممن يظن ذلك. وإنما ذلك: حياة نفسه البهيمية الشهوانية، وصحتها وقوتها. وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل، ومن لم يميز بين هذا وهذا: فليبْكِ على حياة قلبه، فإنه من الأموات، وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات…” الطب النبوي، ص:3-4.
اللهم أصلح قلوبنا وطهر نفوسنا وارزقنا الصدق في القول والعمل.
والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *