الصنعة التعليمية ودورها في تحويل الأهداف التربوية إلى سلوك عملي (2) عبد الرحمان بنويس

قد تناولت في مقال سابق قد نشرته في الجريدة “السبيل” تحت العدد الصادر في النصف الثاني من شهر فبراير المسائل التالية:
• دور المنظومة التربوية وأثرها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي
• دور المعلم ونهجه الفكري والسلوكي والمهني
وسنتناول في هذا المقال: دور المعلم وتربية الناشئة على الدين، وأثر ذلك على الشخصية المسلمة، ووظيفيته في ترسيخ القيم الإسلامية، ومآل ذلك على تحويل العلم إلى سلوك عملي يؤتي أكله في الواقع.

المعلم وتربية الناشئة على الدين:
إن من المهام التي قد تناط بالمدرس وهو يقوم بهذه الوظيفة العظمى مراعاة هذه المهمة التي قيد بها، ولابد وأن ينطلق في هذه الوظيفة الرسالية من تراثنا الإسلامي، إذ إن ديننا الحنيف أولى عناية تامة لأطفالنا ومجتمعنا على السواء، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “علموا الصبي الصلاة ابن سبع [سنين] واضربوه عليها ابن عشر” ، وقال الضحاك بن قيس : “يا أيها الناس علموا أولادكم وأهاليكم القرآن” فمن هذا الحديث يتبين أن التعليم حق الجميع، وخصوصا الأولاد والأهل، بل إذا كان بإمكان تخصيص مرب ومعلم فإن ذلك سيكون أرقى وأجل.
إن دور المدرس -في مثل هذه الحال- الاقتصار على تعليم الصبيان أمور دينهم وفق حاجاتهم ورغباتهم، وبما يتوافق مع ميولاتهم النفسية والعقلية، مع المفروض فيه أن يكون عالما بشروط التعلم، التي ذكرها علماء الإسلام، قال الماوردي: “فَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي يَتَوَفَّرُ بِهَا عِلْمُ الطَّالِبِ وَيَنْتَهِي مَعَهَا كَمَالُ الرَّاغِبِ مَعَ مَا يُلَاحَظُ بِهِ مِنْ التَّوْفِيقِ وَيَمُدُّ بِهِ مِنْ الْمَعُونَةِ فَتِسْعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْعَقْلُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ حَقَائِقَ الْأُمُورِ. وَالثَّانِي: الْفِطْنَةُ الَّتِي يَتَصَوَّرُ بِهَا غَوَامِضَ الْعُلُومِ. وَالثَّالِثُ: الذَّكَاءُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ حِفْظُ مَا تَصَوَّرَهُ وَفَهْمُ مَا عَلِمَهُ. وَالرَّابِعُ: الشَّهْوَةُ الَّتِي يَدُومُ بِهَا الطَّلَبُ وَلَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْمَلَلُ… فإذا توفرت هذه الشروط -التي لها من حظ توفيق الله- واستعان بها في تربية الأجيال فلا شك أن المنتوج الذي سيظهر على الطلاب سيكون جيدا ومفرحا، وتتحقق معه الأهداف المسطرة في المنهاج وإنما ينبغي توفر الحكمة في تثبيت الأفكار في العقول لذلك فالرَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: عَلِّمُوا، وَلاَ تُعَنِّفُوا؛ فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ خَيْرٌ مِنَ الْمُعَنِّفِ” ، وهذا يثبت لنا أن الوسيلة والأداة إذا كانت توافق فطر التلاميذ فهي تربي فيه الحس والشق والشهوة التي تحدث عنها الإمام الماوري، ومن ذلك يستطيع المدرس أن يكون لنا مشاريعا مستقبلية في صور تلاميذ.
المعلم وتربية الشخصية الإسلامية:
إن من الخصائص العامة في الشريعة الإسلامية؛ المرونة والثبات والتكامل والربانية والشمول، لكن كيف يجعل المدرس نفسه منزلا ومثبتا لهذه الخصائص على طبائع المتعلمين؟!
لعل الأهداف التي ينبغي على المدرس تحقيقها من خلال عمله التعليمي هي: تكوين أشخاص قادرين على معرفة الصالح من الطالح، ثم معرفة أنفسهم، وعلى خدمة مجتمعهم، والسمو به نحو التقدم والازدهار، ومشاركة الفاعلين في نشر التوعية بين الناس بما يتوافق مع الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وبما يحقق الأغراض والمصالح التي تعود على الناس بالمنفعة، بجعلهم مشاركين في بناء الحضارة الإسلامية، وقادرين على الإبداع والعطاء في سبيل المنفعة العامة، وبما يخلف خدمة للبلاد والعباد، ولا يتحقق ذلك إلا من توفرت فيه سمات الشخصية الإسلامية كما ذكرنا، والمستقاة من نور القرآن ومشكاة النبوة، وذلك من خلال كون المدرسين قادة وقدوة، وسمتهم تتوافق مع صفتهم، وعلمهم يتساوى مع عملهم… وهذه أعمدة وأجنحة عليها تبنى الشخصية السامية التي تنفع البلاد والعباد وفق القول الرباني الإجمالي “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، مع ما يدخل من تحتها من أعمال تابعة وغايات ووظائف أخرى.
المعلم وترسيخ القيم
لعل الأدوار المتعددة التي يلعبها المعلم داخل المنظومة التعليمية في الفكر الإسلامي جعلته يدعو إلى إثبات القيم في صدور المتعلمين “وقد حدّد الإسلام في إطار عام مجموعة من القيم الاجتماعية والروحية والأخلاقية [التي ينبغي على المعلم أن يوجه إليها ويتحلى بها]، ولعل أهمها أنواع العبادات التي كانت مظهرا مجسما لهذه القيم، ومحددا لها في سلوك دائم لا ينقطع عنه الإنسان، ولا ينفك منه إلا إذا خرج على عقيدته وتحلّل من قدسية الدين، ومن خلال هذه العلاقات الدائمة بين العبد وربه تبدو المواقف الثانوية من النظر في الحياة والموت، في الحب والكره، في الخلود والفناء، في الشجاعة والخوف، في النجاح والإخفاق، في العدل والظلم، في الفرح والحزن، وكل هذه المعاني مستقرة في الضمير الإنساني… منذ أن تبلورت التجربة الإنسانية في العقيدة الدينية…
[و]الإسلام منظما لكل هذه العلاقات مرتقيا بها إلى أقصى غايات السمو النفسي والعقلي والروحي، وعلى الرغم من أنها استقرت في ذاكرة ذاك الإنسان التي تكونت عبر التاريخ وانطبعت آثارها في عاداته المجتمعية إلا أن الإسلام وضع لها سبل الكمال، وجعلها محببة إلى نفوس المؤمنين، كما يسرها عليهم، ففي الكلمة الطيبة صدقة، وفي إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وفي النية الخالصة أجر” وكلها سلوكات من شانها أن تربي في الناشئة آدابا وقيما يسهل ترجمتها على الواقع اليومي، وما المدرس لها في هذا السياق إلا موجها تربويا، وهي الغاية التي يطبع بها على عقول المتعلمين وغرس مجموعة من القيم الإسلامية التي تشعره بقيمة الانتماء إلى دينه أولا -كما أشرنا سابقا- ثم تربيته على ثقافة التوعية بالانضمام إلى كوكبة العقلاء الربانيين المحافظين على القيم الأصيلة، ومن ذلك الهوية الدينية والتشبث بقيم وتراث الأصالة والانفتاح على المعاصرة، والتحلي بتزكية النفس واحترام الغير والتواضع في التعامل، وعدم الارتكاز على الذات.
المعلم ودوره في في تحويل العلم إلى سلوك واقعي:
مما سبق يمكن التأكيد بالقول: إن المدرس الفعال هو من يجعل من المتعلم مفكراً ومبدعاً في العلوم التي تلقاها، وبها يتفاعل مع مجتمعه ويطوره، كما يحاول [المدرس] أن يخلق في النشء المسلم المساهمة الفعلية في حل مشكلات مجتمعه بطرق فعّالة مُبتكرة، ويعبئه على أن يصبح شخصية ذات أنماط متعددة، منها القدرة على القيام بالمسؤولية، واحترم الآخر في إطار التبادل الأخوي للآراء والأفكار، بعد تنمية قدراته، وتحصيل معلوماته، وصقل مهاراته الأساسية التي تؤهله إلى القيام بهذه المهمات العملية في الواقع، دون إغفال التمارين التطبيقية نظرا لما لها من ترسيخ آني، ثم لكون الأشياء التطبيقية تعلق بالذهن أكثر من المعارف الكمية، وفي هذا الإطار تم التركيز في منظومتنا التربوية على التدريس وفق المقاربة بالكفايات، واعتماد ثلاثة مداخل مهمة عليها يقوم الفعل التربوي: التربية على القيم، ثم التربية على الاختيار، وأخيرا التربية على الكفايات والمضامين، وكل هذه المداخل لها حظها من الأنشطة التطبيقية والأعمال الموازية التي تشرك التلميذ في بناء التلعمات، وهي فرصة لكي يتربى التلميذ على أن يحول مكنوناته الذاتية العلمية إلى سلوك عملي.
وختاما؛ إن المدرس الناجح هو الذي يجعل من كل متعلم مشروعا ثقيلا يكونه تكوينا لائقا به، من خلال تنوع الطرق التي يدرس بها، ويعدد الأنشطة المندمجة التي تساعده على فهم الواقع، والتأقلم معه في أحسن الظروف، كما لا يغفل المدرس عن تقويم تلامذته أو زملائه باعتبارهم مرآة تعكس الصورة التي هي عليه في الواقع، ونسأل الله أن يصلح تعليمنا ويسدده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *