عنوان السلسلة حوارات فكرية قناديل لإنارة الطريق .. المقدمة الشعارية للسلسلة الذل والضعف وفساد العمل .. كل ذلك راجع إلى خلل الأفكار. وطريق إصلاحها في الحوار .. وهو طريق طويل تحيط به ظلمات، تحتاج إلى قناديل تزيل غبشها، وتقود إلى الضياء الماثل في آخر النفق.

الحلقة 4:

زاد الطريق -3-

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
القاعدة الثالثة من قواعد زاد الطريق هي: وجوب احترام التخصص، والتحذير من الجرأة على مقامات العلم.
وهذه قاعدة منهجية عظيمة الشأن، لا تختص بمجال معين من مجالات المعرفة. فليس للمتحدث أن يدلي برأيه في غير اختصاصه، وإلا كان كلاما بغير علم، وهو حينئذ مردود على صاحبه، وإن أصاب في نتائجه!
وقد أرشد الشرع إلى هذه القاعدة، في نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، فأحال الجاهلَ على العالم، ولم يكلف الجاهل بأن يجتهد فيفتي نفسَه! ومنها الحديث المختلف في صحته: ” ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال” (أخرجه أبو داود عن جابر).
وقرر الأصوليون في أبواب التقليد والاجتهاد، أن الناس طرفان: مجتهد ومقلد. فالأول: من اجتمعت فيه شروط الاجتهاد المبسوطة عندهم، وحقه أن يجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. والثاني: من لم تتحقق فيه تلك الشروط، فحقه أن يسأل عالما يثق في دينه وعلمه، وما أفتاه به فهو حكم الله في حقه. وليس له أن يتكلف الاستنباط، ولا أن يعاني مشقة الاستدلال. وقد كثر تحذير العلماء من تسوّر العامة مقام العلم، ومن تصدر أنصاف المتعلمين، الذين يستسهلون القول على الله بغير علم، فيَضلون ويُضلون.
والمتخصص في العلم الشرعي، الذي له الحق في ممارسة الاجتهاد، هو من اجتمعت فيه صفات التجرد للحق والابتعاد عن اتباع هوى النفس، والمعرفة الجيدة الشاملة بالنصوص القرآنية والحديثية مع ضبط معايير ثبوتها، والرسوخ التام في اللغة العربية، إلى درجة تحصيل الملَكة اللغوية الثابتة، والمهارة في استعمال قواعد الاستنباط، وأصول الاستدلال، والاطلاع الكافي على التراث الفقهي والعقدي.
وليس لأهل الذكر قداسة مخصوصة، ولا لهم عصمة من الزلل، وإنما يحال استخراج الحكم الشرعي عليهم لتخصصهم فيه، بسبب ما تحقق فيهم من المؤهلات الذاتية، مع الخبرة والممارسة. وهذا كما يُرجَع في قضايا الصحة إلى الأطباء لا إلى عامة الناس، لا ادعاءً لعصمتهم من الخطأ، ولكن لأنهم المؤهلون دون غيرهم لممارسة هذا الفن. فليست الإحالة عليهم تقديسا لهم ولا احتقارا لغيرهم، ولكنه احترام للتخصص، لا غير!
ثم إن هذه القاعدة الذهبية، عمل بها عموم العلماء في جميع المعارف، فلا يسمح لغيرِ المتخصص في فن معين، العاجزِ عن إبراز دليل تخصصه فيه المشهودِ عليه من أكابر علماء هذا الفن، أن ينتج في الفن المذكور بالقول ولا الفعل. ومن أصرّ على ذلك، احتسب أهلُ الفن عليه، بالإنكار بل المتابعة القضائية، كما هو معلوم.
وإذا كان هذا معلوما في جميع المعارف، فإن كثيرا من الناس يتساهلون في أمور الدين، فيأبون الرجوع فيها إلى أهلها، بل يتكلفون الكلام فيها بعلم قليلا، وبجهل كثيرا ..
ولعل السر في هذه الجرأة التي لا يمارسون نظيرَها في الطب أو الفيزياء أو الرياضيات، راجعٌ إلى أمرين:
أولهما: أن هذه القضايا الدينية تمس حياتهم الشخصية بشكل مباشر، وتضبط سلوكهم اليومي، وتؤسس نظرتهم الشمولية للكون والحياة. ولما كانت العلوم الإنسانية – في بعض مظاهرها – مقاربة للدين في المعنى المزبور آنفا، كانت جرأة الناس على تقحّم غمارها، أكبر من جرأتهم على مقام العلوم الرياضية والتجريبية.
والثاني: أن القرآن والحديث يخاطِب عموم الناس، بأوامر الهداية والبيان، ولذلك كانت ظواهر النصوص الشرعية متاحة الفهم لعموم الناس. فظن المتسرعون أن الاستدلال على دقائق العلم الشرعي، سهل متاح مثل فهم ظواهر النصوص، التي يراد بها مطلق التدين العام. وليس الأمر كذلك، فإنه إذا كان لا يمتنع أن يفهم العامي النهيَ عن شرب الخمر من الأمر باجتنابه، الواردِ في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)، فإن من الممتنع حقا أن يستطيع فهم وجه الدلالة من الآية على هذا المعنى، وطريقة استنباطه منها التي تطّرد في غيرها، وأن يضبط فقه المسألة تفصيلا، وأن يقتدر على رد صائل الشبهة في هذا الباب.
والمقصود: أن المتاحَ لغير المتخصصين، إنما هو الفهم العام في درجته الأولى، المتبادرةِ إلى ذهن مَن يعرف اللسان العربي في حده الأدنى. أما ما فوق ذلك، من درجات الفهم والاستنباط، فلا تكون لهم أبدا، وكلامهم فيها محض تطفل وقول على الله بالجهل والجرأة المذمومة.
ورب قائل: لستُ متخصصا في العلم على جهة العموم، ولكنّ لي علما بخصوص المسألة التي أتحدث فيها. فما البأس في ذلك؟ والجواب من وجهين:
أولهما: أن المطلوب في التخصص ليس جمع الأقوال، وحفظ بعض القواعد المخصوصة مع القدرة على استعمالها في حيّز معين من العلم، وإنما المطلوب تحصيل المهارة والملَكة، وهذا لا يكون إلا بعد الممارسة الشمولية لأكثر مسائل العلم، لا لبعضها.
والثاني: بقطع النظر عن قضية الملَكة، فإن العلم كالكتاب الواحد، الذي لا يقصد أحدٌ تجزيئه إلا أفقده معناه الكلي. ورب مسألة فقهية فروعية، تحتاج إلى معرفة بالأصول والقراءات والتفسير والحديث والنحو والصرف والبلاغة والأدب ونحو ذلك. والجاهل بذلك يحسب أنه – بعلمه المحصور – قد استوفى ما يحتاج إلى معرفته لبحث تلك المسألة، ولا يخطر بباله أنه مقصّر عن الغاية المنشودة، فيظن نفسه متخصصا، وليس بمتخصص حقا!
ولا بد من التذكير هنا بأن الشهادة الأكاديمية العليا، لا تعني القدرة على الحديث في كل نوع من أنواع المعارف. بل غيرُ المختص في الشريعة مثلا، هو في ميزان الأصوليين من العامة، كما أن غير المختص في الفكر أو الفلسفة، هو عند أهل هذين عامي لا يعتدّ بقوله.
وعلى الرغم من صحة القاعدة فإن حال كثير من المتحدثين في الموضوعات الشرعية والفكرية الدقيقة مؤسف حقا، إذ فيه الكثير من الجهل بالوحي وبكلام الأئمة، والجراءة المذمومة في المواقف التي يحمد فيها الإحجام!
وإلى لقاء مقبل إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *