كل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن فهو عزاء الجاهلية

كل تناصر وتعاون وموالات ومعادات قام على غير الدعوة والحمية للإسلام والقرآن والسنة فهو من تناصر وعزاء الجاهلية.

وليس الأمر مقتصرا على كل تداعي لغير الإسلام وإنما يلحق بذلك كل ما كان باعثا على ذلك التناصح من المحبة القلبية التي تغلب أحيانا على النفوس فتدفعها لنصرة طائفتها مطلقا، وهذا محلُّ الذم والتوبيخ.
والمقصود بالعزاء: الانتماء والانتساب. (انظر الصحاح مادة عزا).
أما الجاهلية: فهي عند الإطلاق: “الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك” (لسان العرب مادة جهل).
يقول الله تعالى محذرا مما كان يصنعه أهل الجاهلية من التفاخر بالأنساب ونحوه: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.
يقول الشوكاني رحمه الله في تفسيره للآية: “والمقصود من هذا أن الله سبحانه خلقهم كذلك لهذه الفائدة (أي: للتعارف) لا للتفاخر بأنسابهم ودعوى أن هذا الشعب أفضل من هذا الشعب، وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، وهذا البطن أشرف من هذا البطن، ثم علل سبحانه ما يدل عليه الكلام من النهي عن التفاخر فقال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) أي: إن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى” (فتح القدير 5/95).
وفي الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فكسع (ضَربَ دُبُرَهُ بِيَدِه) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا آل الأنصار! وقال المهاجري يا آل المهاجرين! فقال عليه الصلاة والسلام: “ما بال دعوى الجاهلية؟”، قالوا: يا رسول الله كَسَعَ رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال دعوها فإنها منتنة”.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: “لما دعا كل منهما طائفته منتصرا بها أنكر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك وسماها دعوى الجاهلية، حتى قيل له إن الداعي بها إنما هما غلامان لم يصدر ذلك من الجماعة فأمر بمنع الظالم وإعانة المظلوم” (الاقتضاء 1/215).
إذن فكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن فهو عزاء الجاهلية.
ويتفرع عن ذلك أمور:
1ـ لا يجوز التعصب لغير الدين من القبائل والبلدان والدفاع عنها ونصرتها ولا التعصب لمشايخ بلد بعينه دون غيره إلا إذا كان الحق معهم.
يقول ابن القيم رحمه الله: “الدعاء بدعوى الجاهلية والتعزي بعزائهم كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها وللأنساب، ومثله التعصب للمذاهب والطرائق والمشايخ وتفضيل بعضها على بعض بالهوى والعصبية وكونه منتسبا إليه فيدعوا إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي عليه ويزن الناس به كل هذا من دعوى الجاهلية” (زاد المعاد 2/428).
2ـ لا يجوز التعصب للقدوة من العلماء أو الدعاة والغلو فيهم وإلزام الناس بآرائهم واجتهاداتهم.
قال ابن تيمية رحمه الله: “أن يقول قائل: إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان فهذا لا يقوله مسلم ومن كان مواليا للأئمة محبا لهم يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة فهو محسن في ذلك، بل هذا أحسن حالا من غيره ولا يقال لمثل هذا مذبذب على وجه الذم” الفتاوي 22/249.
3ـ لا يجوز تعليق المدح والذم بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك(1).
قال ابن تيمية رحمه الله: “ليس لأحد أن يعلق الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة والصلاة واللعن بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك، مثل أسماء القبائل والمدائن والمذاهب والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ” (الفتاوي 28/227).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- من الأسماء التي علق الله بها الحمد والمدح: المؤمن، التقي، الصادق، العابد،…وعلق الذم على: الكافر، الفاجر، الفاسق، الضال..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *