عنوان السلسلة حوارات فكرية قناديل لإنارة الطريق .. المقدمة الشعارية للسلسلة الذل والضعف وفساد العمل .. كل ذلك راجع إلى خلل الأفكار. وطريق إصلاحها في الحوار .. وهو طريق طويل تحيط به ظلمات، تحتاج إلى قناديل تزيل غبشها، وتقود إلى الضياء الماثل في آخر النفق.


الحلقة 7:

مِن أين يمرّ الطريق؟
أصول مفاهيمية فلسفية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
تتمحور المفاهيم الفلسفية الحديثة في الغرب على أصول كبرى نشأت في أوروبا بشكل متدرج، وتطورت في سياق التغيرات الفكرية الأوروبية، وتفرعت عنها أكثر الفلسفات الحديثة. وهذه الأصول هي: مركزية الإنسان/الطبيعة، وأهمية العقل، ونبذ المطلق المتجاوِز.
ولا تنتمي هذه الأصول إلى مرحلة تاريخية واحدة، ولا وُضعت قواعدها العامة في إطار أنساق فكرية مغلقة جامدة، غيرِ قابلة للمراجعة، بل هي مبادئُ فكرية موجِّهة، تتغذى من السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأوروبي العام، وتنتج مجموعة من الفروع المفاهيمية المؤطِّرة لحياة الإنسان الأوروبي ونظرته للكون، في عملية تفاعُلية شديدة التعقيد والتركيب.
فمركزية الإنسان/الطبيعة بدأ تبلورها منذ فجر عصر النهضة، من خلال الحركة الإنسية (الهيومانية) غير المعادية للدين، وتطورت بعد ذلك في سياق تفاعلها المستمر مع حركة الإصلاح الديني وتيار التنوير وعلموية القرن التاسع عشر وصولا إلى سيولة ما بعد الحداثة، فأنتجت خلال هذه المراحل المتعاقبة عددا من الفلسفات الغربية الحديثة.
وأهمية العقل نشأت في سياق التخلص من الفكر الخرافي الذي هيمن على أوروبا خلال القرون الوسطى، وأسهمت فيه توجيهات الكنيسة الحريصة على سيادتها الدينية والفكرية، إلى جانب التأخر العلمي والركود الاقتصادي والفساد السياسي. لبست العقلانية ثوب المخلّص من خرافات الكنيسة الفاسدة، والمصحِّح لأصول الفلسفة السكولائية التي هيمنت على أوروربا خلال القرون الوسطى؛ وشكلت أساسَ التنوير وعمدة الصراع ضد الدين. ثم تعرضت لرجات فكرية كبيرة، جعلتها تستوعب كثيرا من النقد الموجه من تيارات فكرية مخالفة، كالمذهب التجريبي مثلا، وتتشكل مع العلم الحديث -بمعزل عن المقدمات العقلية الكلاسيكية- في “جبهة” موحدة ضد المرجعيات الميتافيزيقية المتجاوِزة عموما، وعلى رأسها الأديان السماوية. وكان لهذه العقلانية/العلمية (أعني بها: العقلانية المعظمة للعلم التجريبي، لا العقلانية المنكرة لدور الحس في حصول المعرفة) دور كبير في تشكيل المزاج الفكري الغربي المعاصر.
ونبذُ المطلق بدأ -خلال عصر الأنوار الذي وصل إلى أوجِهِ خلال الثورة الفرنسية- بنبذ المطلق الديني، مع التركيز على ثبات العقل والثقة بنتائجه. وتطور بعد ذلك، وبسبب الفورة العلمية الكبيرة إلى نبذ المطلق العقلي أيضا، والاعتداد بنتائج العلم التجريبي. ثم وصل أخيرا إلى نبذ جميع أصناف المطلق، وتقرير نسبية شاملة في مسار البحث عن الحقيقة، بل إلى التأكيد على انعدام الحقيقة من حيث هي، والركون إلى السيولة الكاملة في النظرة إلى الكون والحياة والمجتمع. وقد انتشر نبذ المطلق والنسبية المترتبة عليه في جميع مفاصل الحضارة الغربية الحديثة، من الثقافة والفن والأدب إلى الدين والسياسة والفلسفة.
لقد عرفت هذه الأصول المفاهيمية إذن تطورات كثيرة، ومراجعات متواصلة؛ ولكنها –مع ذلك- لا تزال حاكمة في الفكر الغربي المعاصر، ومهيمنة –بتطوراتها واختلافاتها- على المزاج الغربي، ومؤسِّسة للقيم الغربية التي يراد لها أن تحكم العالم كله.
كما أن هذه الأصول هي التي تفرعت عنها أهم الفلسفات المهيمنة على الحضارة الغربية، والتي يراد نشرها في العالم عموما، وفي عالمنا الإسلامي على جهة الخصوص، لكونه يشكل معقل الممانعة الأخير في وجه تيار القيم الغربية الجارف. فالحداثة والعلمانية والليبرالية والماركسية والفاشية وغيرها، مبنية على هذه الأصول المفاهيمية، ومتفرعة عنها على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
نعم لا يزال الإنسان –ولو نظريا– هو المركز الذي لأجله –في شق الحرية أو الرفاهية أو الكرامة أو غير ذلك- تهدَر قواعدُ الدين، وتكسر قيود الأخلاق. ولا تزال الطبيعة المادية المستقلة عن الخالق، هي المحور الذي يفتح الباب لكل التجاوزات الإلحادية، والتحطيم المنهجي للقيم الأخلاقية. حين يدافع الغربيون مثلا عن الإجهاض فلأنه داخل في حق المرأة في امتلاك جسدها؛ وحين ينافحون عن حقوق الشواذ مثلا، فلأن ذلك من ضمن حرية الإنسان في المتعة الجسدية دون قيد أخلاقي أو ديني؛ وحين يضخمون جانب الحرية الفردية على حساب القيم المجتمعية أو المرجعية الدينية المتجاوزة، فلأن الفرد/الإنسان هو الأصل والمركز!
ولا يزال العقل يُستدعى في الحوارات الفكرية -سواء في صيغته المجردة، أو في صورة العلم الحديث- وينصب حاكما على كل المرجعيات الأخرى، وعلى رأسها مرجعية الوحي. ولأجل هذا العقل (العلمي أو حتى العلموي) تنكر الغيبيات الدينية أو يسوى بينها وبين جميع المنتجات الأسطورية البشرية؛ وتحت راية هذا العقل يغزو الإلحادُ واللاأدرية، آخرَ معاقل الدين في الغرب، بالاستناد إلى القواعد العقلية المنطقية في بعض الأحيان، وإلى النظريات العلمية الحديثة في أغلب الأوقات!
ولا يزال كره المطلق المتجاوِز وما ينبني عليه من النسبية والسيولة، حاضرا بقوة في النقاشات السياسية والمجتمعية في الغرب. فعلى معنى النسبية تبنى التعددية المذهبية والمساواة الدينية؛ وعليها تبنى إعادة قراءة النصوص الدينية بالمناهج القرائية المعاصرة التي لا تجعل للنص معنى ثابتا في نفسه باستقلال عن القارئ؛ وعليها يبنى الفن الحديث الذي لا يخضع لمعيار جمالي ثابت أصلا، فضلا عن أي معيار قيَمي حاكم.
وهذا أوان التعريف المختصر بهذه الأصول الثلاثة.
والله الموفق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *