الحلقة 8:
مِن أين يمرّ الطريق؟
أصول مفاهيمية فلسفية
1-مركزية الإنسان/الطبيعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
في المنظور الديني عموما، يعد الإنسان مخلوقا من مخلوقات الله؛ وتعد الطبيعة بجلالها وجمالها وعظمتها خلقا آخر من مخلوقات الله، مسخّرا للإنسان، يستمد منه أسباب عيشه وسعادته في هذه الحياة الدنيا، ويستدل بحسن نظامه وعجيب تناسقه على وجود الخالق وتدبيره وعنايته بالكون.
أما في ثقافة الغرب التي قامت على أنقاض الدين، فقد انتقلت مركزية الكون والحياة، إلى الإنسان تارة وإلى الطبيعة تارة أخرى وذلك على مراحل مختلفة. وأخطر ما أنجزته الحداثة الغربية: كونها أحلت سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة محل الإله وهيمنته على العالم.
بدأت القضية بما يسمى النزعة الإنسانية أو الأنسنة أو الهيومانية، وهي اتجاه فكري مادي ظهر في عصر النهضة، مؤكدا على أهمية الإنسان ومكانته فى الكون، مع تغليب الجانب المادي في الإنسان، وتجاهل جميع الجوانب الروحية المتجاوِزة.
لم تكن هذه النزعة -في الأصل- معادية للدين، ولا منكرة للخالق؛ لكنها كانت تسعى إلى نوع من إعادة الاعتبار للإنسان، وتحريره من أغلال القرون الوسطى المظلمة في أوروبا، ومن سيطرة الكنيسة المغرقة في الخرافة العقلية والاحتكارِ الفكري والعقدي، والاستعبادِ المادي لأتباعها؛ وتحاول الانطلاق بالإنسان إلى آفاق رحبة من الإبداع الفكري والتحرر العقلي. وقد ارتبطت هذه النزعة بحركة الإصلاح الديني، التي تبنّى دعاتُها الاعتراف بكرامة الإنسان، وتحرير عقله من الخرافات الوثنية الملتصقة بالكاثوليكية التقليدية، وتأهيله للانعتاق من احتكار الكنيسة لتفسير النصوص، وللاتصال المباشر بالخالق سبحانه.
ثم تفاعلت هذه النزعة الإنسانية مع فلسفة الأنوار المعظّمة للعقل في مواجهة الدين، فصارت مركزية الإنسان أساسا يبني عليه إلغاء مركزية الإله، ومحو كل مرجعية ميتافيزيقية خارقة للطبيعة البشرية. كما أن الإنسان صار هو المصدر الوحيد للمعرفة، وأن خلاصه يأتي من القوة البشرية نفسها ومن قدرتها على التحكم في الطبيعة (عن طريق العلم التجريبي)، خلافا للأديان التي تقرر أن خلاص الإنسان يأتي من عون الله وتدبيره وتقديره.
وهكذا ساهمت الأنسنة في إنشاء التحول من الله إلى الإنسان، ومن الدين إلى العقل والعلم.
على أن هذه المركزية لم تكن دائما حول الإنسان، بل كانت في أحيان أخرى حول الطبيعة أيضا. وهما إذن تصوران ماديان مناقضان للروحية الدينية المتجاوزة للمادة:
التصور الأول: يجعل الإنسان هو المركز؛
والتصور الثاني: يجعل الطبيعة هي المركز.
ففي التصور الأول، يعتمد الإنسان على عقله وحواسه ومعرفته العلمية المتراكمة عبر التاريخ، بعيدا عن الوسائط غير المادية. ويؤدي هذا التمركز من الإنسان على ذاته إلى السعي الحصري لتحقيق لذته ومنافعه المادية، وهو إذن حين يصطدم بالإنسان الآخر، يحاول توظيفه واستغلاله لتحقيق هذه المنافع واللذات، ما دامت لا توجد مرجعية روحية تمنعه من ذلك. ومن هنا تحول الإنسان الأوروبي الرافع لشعار الإنسانية، إلى وحش امبريالي مدمر للحضارات الإنسانية غير الأوروبية (في عز الحركة الهيومانية والتنويرية في أوروبا، كانت سفن الأوروبيين تجوب العالم لتنشر الدمار والقتل في أمريكا وإفريقيا وآسيا!). بل تعدى الأمر الإنسانَ الآخر، إلى الطبيعة نفسها، فلم يتورع الأوروبي المتشبع بقيم الإنسانية الفردانية، عن تخريب الطبيعة لخدمة التقدم العلمي الذي يحقق رفاهية الإنسان. ومن هنا تظهر خطورة فكرة مركزية الإنسان، المستقلة عن الخالق. وفي هذا التصور، كما يقع التأكيد على التخلص من أية مرجعية متجاوِزة، يقع التأكيد أيضا على مفارقة الجوهر الإنساني للطبيعة المادية.
إلا أن الأمر تطور بعد ذلك نحو التصور الثاني، المبني على مركزية الطبيعة على حساب الإنسان. وبعبارة أخرى صارت الطبيعة المادية هي المرجعية، وصار الإنسان في هذا التصور لا يعدو أن يكون جزءا من هذه الطبيعة، يسري عليه ما يسري عليها من القوانين والتطورات المادية، وتفسّر جميع جوانب تكوينه تفسيرات مادية لا تخالف مجموع التفسيرات المطبقة على الطبيعة. فالمشاعر إفرازات هرمونية، والتسامي الروحي بناء مفتعل مستنِد إلى التكييف التاريخي لا إلى حاجة فطرية باطنية، والعمل العقلي تحفيزات كهربية دماغية ناتجة عن سلسلة التطور. وهكذا لم يعد للإنسان خصوصية تميزه عن الكائنات الحية الأخرى، ولم يعد للحديث عن الخير والشر أو الروح المَرَقّية للجسد، أدنى فائدة؛ كما أن العلم يصبح ماديا منفصلا عن الأخلاق والقيم الدينية، وتدور أصول بناء المجتمع على معاني تحقيق اللذة البهيمية والسعادة المادية الخالصة.
ثم آل الأمر بعد ذلك إلى تصور ثالث، يلغي جميع المركزيات، ويفتح الباب للسيولة التامة على حساب صلابة المفاهيم، والنسبية الكاملة على حساب المطلق، من أي نوع كان. وهذا التصور هو المؤسس لما يسمى بما بعد الحداثة.
في ظل هذه التصورات الثلاثة المتعاقبة في تاريخ تطور الفكر الغربي، والتي لا تزال موجودة بدرجات متفاوتة (أي أن التصورين الأول والثاني لم يغيبا تماما، بل ما يزال لهما وجود في فكر بعض الفلاسفة أو في دعوات بعض الحركات الفكرية والاجتماعية)، كان المحور الوحيد الذي هو محل اتفاق: تغييب الدين، ومحو أية مرجعية متجاوزة غير مادية.
ومن تأمل النقاشات المجتمعية المتلاحقة في الغرب، تبين له بوضوح أثر هذه التصورات الثلاثة على الفهم الغربي للإنسان وعلاقته بالطبيعة وبالإله الخالق.
والله الموفق.