الأديب ربيع بن المدني بن عبد القادر السِّمْلالي أبو عبد الرحمن: كان مُحبًّا للعزلة، جمّاعةً للكتب، عاشقًا للأدب والفكاهة، مولعًا بالسّفر والسَّرْد، كثيرَ الضجر ملولاً، يقول القول اليوم ويرجع عنه غدًا، تستبد به شدّة لا يستطيع أن يقهرها بحِلم.. وكان عدوًّا للمَدَاخلة والصُّوفية (الغلاة)، كارهًا لدين العَلْمانية والحداثة والليبرالية والسّلفية المُقنّعة (المُرجئة)!…
كان يكتب الخواطر والمقالات والبحوث والحكايات والقصص بيده، يكتب ما لا يقل عن عشرين صفحة في اليوم والليلة.. يكتب ما يغيظ الكفار والمنافقين والمتملّقين من أبناء جلدته وقبيلته!
والغريب أنّه كان رقيقَ القلب لطيفَ المَعشر مع أحبّته وأصدقائه، عاشقا للأنثى التي كانت تسكنه وتقيم في داخله منذ عشرات السنين!
وُجِد مقتولا بعد ثلاث ليال خلون من شعبان وقد نيّف على السّبعين، وفي يده اليمنى قطعة قماش حمراء صغيرة وكتاب (سأخونك يا وطني) لمحمد الماغوط!.. وبجانبه ركام من المذكّرات والذّكريات وأكداس من الأوراق الملطخة بالحبر وتواليف الأسلاف الصالحين، وصورة ابنه أسامة صغيرًا يسخر من الدنيا ببراءته وابتسامته المعهودة! وقلم أزرق داكن من نوع (pilot) متمدد فوق ورقة بيضاء مكتوب في وسطها بخط بارز: (وابتسمتِ القريةُ كلّها بعد أن اغتسلت بالمطر)!
له من التّصانيف روايته المشهورة (أنت والزمن) التي نال بها جائزة البوكر لسنة 2020م، وكتابه المثير للجدل الممنوع في الأسواق: (إطلاق النار على المداخلة الأشرار)، وقيل إنّ له شرحًا ماتعًا على قصيدة (بانت سعاد) لكعب بن زهير. وتعليقات نفيسة على كتاب (الدولة المستحيلة) لوائل حلاّق. وردّا مفحمًا على كتاب فتنة التكفير لعلي الحلبي… وقد ألِّفت عنه كتب وأبحاث لعلّ أجمعها كتاب (الربيع العاصف) لأبي محمد السرغيني المراكشي نشرته دار القلم سنة 2035م.
قبره بمدينة بني ملال يحج إليه كثير من المثقفين والأدباء والشعراء وطلبة والعلم.. رحمه الله.
*****
قالت إحداهن في تعليق عني (أنا لا أراه كاتبا ولا أديبا.. راسلته مرّة ولم يجبني)! ولو أجبتها لكنتُ في نظرها عبد الحميد الكاتب أو بديع الزمان! ولو فتحت معها الكاميرا لكنت إمام الأولين والآخرين في علم البيان!
فدخلت لأستفيد من هذه الناقدة التي قل أن يجود الزمان بمثلها، فوجدت الهمزة عندها تشكو إلى الرحمن من عَلَق يعيش على الجراح!.. والزيت يكتب بالتاء المربوطة.. والحيض تكتبه حيطًا، والغيظ غائطًا.. وفي النحو وجدتها تجزم الفعل المضارع بلا سبب، وتجر الاسم ككلب منهك، وتنصب الفاعل بها، حقدا عليه، أما المفعول به فترفعه كما رفعت نفسها الخسيسة في غيبتي!
أما الأسلوب فظُن شرّا ولا تسأل عن الخبر!
لم أستطع الاسترسال في القراءة لمنشوراتها وغسيلها الذي ذكّرني بما يكتبه الناس عندنا في بعض الأحياء الشعبية على حيطان منازلهم: (ممنوع البول هنا)!.. فخرجت مسرعا والفرزدق يلح عليّ قائلا: إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتُحظر!.. لكن لم أستجب له لأن حظر الدجاج عندي محرم.. (فتأمل)!
*****
تجربتي مع مكتبة ربيع الأدب للبيع والتّوزيع، كانت تجربة جميلة رائعة، فيها التواصل مع الأحبة، ومعرفة ما يقرأون وكيف يفكرون ويتعاملون، أعجبت صراحة بأخلاق كثير من أبناء وبنات هذه الأمة الذين ينفقون الغالي والنفيس من أجل اقتناء الكتاب الورقي، والذي زادني فخرا وتقديرا لهم هو إقبالهم على كتب العلوم الشرعية والفكرية الإسلامية أكثر من أيّ فنّ آخر من الفنون المتاحة عندي، عرضت الكثير من الروايات لكن لم يكن عليها ذلك الإقبال المنشود! وهذا شيء سرّني لأن الروايات باهظة الثمن وقراءتها وقتية وليست أبدية كالكتب الأدبية الوازنة، وتآليف عباقرة الإسلام وعلماء العربية.
عموما التجربة كانت جيّدة وسأمضي فيها قدما بإذن الله، ودوما سيكون الجديد، والامتيازات الكثيرة حتى يكون الكتاب الورقي بين يدي الجميع بدل هذه الأجهزة الصماء التي أجهزت على السواد الأعظم من الأمة. وبالله التوفيق ومنه أستمد العون.
*****
من نوادر الذين يسألون عن الكتب في مكتبتي (مكتبة ربيع الأدب للبيع والتّوزيع) أن أحدهم أيقظني من نومي بخمس رسائل متتالية، كلها تسأل عن أضخم الكتب الموسوعية كالفتح، واللسان، والفتاوى، والظلال، والأغاني، والتاج، والطبقات، والبداية، والطبري، فلما أخبرته عن ثمنها وأنها موجودة، قال يا إلهي شيء رائع! اعتقدت الرجلَ رزقًا من السماء سيجعلني أرتاح أسبوعا أو أسبوعين لا أتاجر هههههههه فإذا به يُردف حين أكون مستعدا سأتصل بك.. ممكن أخي تخفض لي في كتابك (يا بني) فأربعون درهما كثيرة عليّ! (فتأمل)!
*****
الذين يسألونني عن ثمن بعض الكتب فيصدمون بالثمن أعذرهم، فهم كالذي كان معتادا على هاتف جوال خالٍ من الكاميرا والألوان ومن كلّ شيء، وفجأة سأل عن الأيفون 7 بلس فكيف سيكون حاله؟!
لنضرب مثالا ليتضح المقال: البداية والنهاية لابن كثير طبعة مكتبة الصفا (حمالة حطب) ثمنها 350 درهم وطبعة دار عالم الكتب بـ2700 درهم وطبعة دار ابن كثير بـ1500 درهم (فتأمل) ولا تتألّم..!
*****
كتبت بعض الأخوات: يوما ما سأحقق حلمي -بإذن الله- بإنشاء مكتبة خاصة بي.
قال ربيع: هذا حلم رائع فعلا وأمنية تستحق عليها الشكر. لكن هذا الحلم يا أخيتي لن ينزل عليك من السماء، ما لم تكن العزيمة قوية، والنية صادقة، وحب القراءة يجري في دمك. فالمكتبة الخاصة تتجمع عند المثقفين والعلماء والأدباء وطلبة العلم مع الشهور والسنوات الطوال، مع الإعراض عن الدنيا وزينتها، والتخلي عن كثير من كماليات الحياة، وضرورياتها في كثير من الأحيان.. وتكوين المكتبة كالتكوين العلمي، فلا يمكن أن يصبح الرجل عالما ولا أديبا ولا مثقفا بين عشية وضحاها لأنه ذو مال وسيشتري من الكتب ما شاء ومتى شاء وكيف شاء فيصبح أبا فلان السلفي أو أبو علان الأشعري! ومن يقول لك غير هذا فهو أخو جهالة لا علاقة له بهذا الميدان.. فنصيحتي أن تبدئي في تحقيق حلمك من الآن بجمع الكتب كتابًا كتابًا، مع القراءة وسبر أغوار ما يدخل إلى مكتبتك حتى لا يصدق فيك قول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ…والماء فوق ظهورها محمول!
ولله درّ ميخائيل نُعَيْمَة حين قال: عندما تصبحُ المكتبةُ في البيتِ ضرورةً كالطاولةِ والسُررِ والكُرسِي والمطبخِ عندئذٍ يمكنُنا القولُ أنّنا أصبحنا قوماً مُتحضّرين!
*****
لم أعد أحب قراءة الكتب في السفر، لأني وجدتها تحجبُ عنّي متعة السفر، ومتعة النظر إلى الجبال والأشجار والبيوت المتناثرة هنا وهناك..
آهٍ كم هي رائعة هذه السماء التي تجعلني أحتقر الطواغيت الذين أخلدوا إلى الأرض واتبعوا الشياطين التي تأزهم أزّا..
آهٍ كم أغبط ذلك الكلب الأسود الباسط ذراعيه تحت شجرة طاعنة في السن، يتفيأ ظلالها منتظرا سيده، حارسا ماشيته أكثر من حراسة المسلمين لأراضيهم المنهوبة، وهُويتهم المسلوبة!
*****
حذارِ من البحث عن الشّهرة والجري وراء سرابها، إذا لم يكن لك من العلم ما تستطيعُ به دفعَ شبهات عدوّك وشهوات نفسك الأمّارة بالتّصدر قبل الأوان.. ولك في الإمام أحمد بن حنبل خير مثال = فبرغم علو كعبه في العلم فقد كان يكره الشهرة ويغبط الخاملين ويسميها ابتلاءً، وله في ذلك نصوص كثير ذكرها ابن الجوزي في سيرته، والذّهبي في ترجمته الحافلة في السّير!
*****
حين يُسرع إليّ الملل، ويستحوذ عليّ الضّجر، أنزِل كتبا كثيرة من رفوف مكتبتي لأتسلى بترتيبها من جديد على حسب الفنّ الذي تميل إليه نفسي، لاسيما تلك الكتب غير المجلدة.. ولا يمكن أن أفعل ذلك إلا بوجود الحبيب أسامة أو الغالية هند!.. أما الشاي بالأعشاب الذي تصنعه لي أم عبد الرحمن ثلاث مرات في اليوم فهو عندي معلوم من الأدب بالضرورة!
*****
تكثر المطاعم في مدينتنا وتقلّ المكتبات، بل تكاد تنقرض، قد يصبر المرء المعاصر على جوع فكره ويعيش زاهدًا في العلم طول حياته، لا مشكلة في أن يحيا كما تحيا الأنعام، ولكن جوع بطنه تقوم من أجله الحروب، وتسلّ في سبيله السيوف، وتقطّع الرؤوس، وترفع اللافتات في الشوارع، والمظاهرات الصّاخبة.. وقد يُزج به في السجن من أجل ذلك..!
والذي أحاول فهمه ولكن عبثًا. لماذا بعض الجشعين من أرباب المكتبات الكبرى في المدن المجاورة يبالغون في ثمن الكتاب، في عصر التقشف والزهد فيه!.. بينما أصحاب المطاعم لا يسرفون في ثمن المأكولات الشهية التي لا غنى للإنسان عنها؟!
*****
وجدتها منشغلة بالعلم، منصرفة عن اللهو، متخذة لنفسها مكانًا قصيا، تقرأ وتطالع وتحفظ، وتتابع بحماس وأسف ما يكتبه الملحدون وأهل الشبهات على بعض مواقع التواصل الاجتماعي، فتردّ وتنتقد حينا وتحجم أحيانا، حتى إذا استيأست وملّت من قراءة هذه التغريدات والتدوينات المغلّفة بالكفر والزندقة، والردّ عليها، أغلقت تلك النوافذ الإلكترونية البئيسة بعنف وألقت هاتفها إلى جانبها لتستأنف مراجعتها وقراءتها التي هي حياتها الدنيا، بل جنتها..
لم تتجاوز العشرين من عمرها، بل مازال بينها وبين سنّ العشرين ثلاث سنوات كاملة، فهي لا تعرف شيئا عن الحياة وحروبها الكبرى التي تخوضها ضد الإنسان ذلك المجهول، اتخذت الكتاب رفيقا لها مذ اكتشفت لذة القراءة وهي دون العاشرة تلهو كما اتفق في بيت أبيها وأمها.. إنها تعيش وسط التواليف مدينتٙها الفاضلة…
ساءني هذا الانشغال والإسراف في العيش وسط الكتب كراهب الفكر المذكور في الرباط المقدس، الذي كان يطل على الناس من برجه العاجي، حتى فاجأته ذات صباح يدٌ ناعمة تمتدّ إليه ليصافحها، ووجه كوجه الشموس المشرقة في أيام الربيع.. لكنه هوى في بحر الهوى ولم يستطع على فتنتها صبرا.. فقال لها بعدما أخبرته عن رغبتها في تعلم الأدب: إن الأدب يتشرف بمعرفتك يا سيدتي!
قالت لي مرة أريدك أن تعلمني أو تدلني على من يعلمني كيف أقرأ معجما كبيرا من معاجم اللغة العربية، من ألِفه إلى يائه، فاهتبلت الفرصة، ووجدت مكان القول ذا سٙعٙة فقلت:
على رسلك يا أمَة الله.. اخرجي من هذه الشرنقة التي سجنت نفسك فيها، اخرجي لتري الحياة الدنيا وزهرتها، ليلها، ونهارها، قمرها، وشمسها، ضبابها، ومطرها، اخرجي اخرجي لتتعرفي على أصول الطبخ وأبجديات الأنوثة، سافري لتري الكتاب الحقيقي الذي عنوانه الكون.. لتتعرفي على تاريخ البشرية المؤسف، فإن الكتب وربّ الكعبة لا تقول كل شيء.. فالكتب جزء صغير لا قيمة له أمام دموع طفل بريء لم يعرف بعد المغزى من وجوده وقد قُتل أبوه وأمه وأخوه على يد هذه العصابة المفترسة التي تقود العالم إلى الجحيم!
دعي الكتب تنام بسلام يا صديقتي، ولا تعودي إليها إلا إذا استوفيت قراءة هذا الكتاب العظيم المفتوح أمامك.. كتاب الحياة.. ومن لا يعرف كيف يقرأ هنا، فلن يستطيع أن يفهم ما يكتب هناك.. ودامت لك المسرات.