الأصول التاريخية للحريات الفردية الجنسية طارق الحمودي

الإباحية طوائف وفرق لا ترى تحريم شيء من الأموال والأعراض والأفعال والأقوال والاعتقادات، ولهم مشارب مختلفة، ويشتركون في إسقاط التكليف وإهماله، ولهم في ذلك مذاهب، وقد حاول ابن الخطيب الأندلسي أن يحصرهم في ثلاثة أصناف، صنف لم يبال بالتكليفات أصلا جحودا، وصنف يتأول المحرمات وهم قوم من الباطنية، وصنف حملوا التكاليف على أحوال البدايات وأسقطوها عند النهايات..

 لم يعد خافيا على الباحثين أن العلمانية ديانة وضعية تقوم على مدافعة الوحي، والتمرد على الله تعالى، والدعوة إلى مناقضة الشرائع النبوية، وقد بدأ هذا قديما، عندما امتنع إبليس من السجود لآدم بأمر الله تعالى، فعارض ذلك وامتنع واستكبر وعاند، وزعم أن العقل مقدم على النقل والوحي، واحتج بكون النار خيرا من الطين، فكان ذلك سببا للعنه وطرده من الجنة، ليتحول إبليس بعد ذلك إلى العدو الأول للأنبياء وأتباعهم وأقوامهم، وسيسعى لإضلال الناس كما ضل، مستعملا التدليس والتزوير والإيهام والغرور، ليجعل الإنسان يفسد دينه ويذل نفسه كما ذل هو.

كان الغزالي قد وعد بتأليف كتاب في “تلبيس إبليس” ولم نره، والذي عندنا كتاب “تلبيس إبليس” لابن الجوزي، ومثله “إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان” لابن القيم، وفيهما كشف بسيط موسع عن طرق تلبيس إبليس على الناس، وقد كانت العلمانية واحدة من أكبر وأعظم تلبيستاه في تاريخ الغواية الإبليسية.

لقد استطاع إبليس أن يقنع الإنسان بألوهيته، تارة على جهة التفرد ومرة على جهة الجملة، فقد تمكن من دفع عدد من المتمردين على الله تعالى إلى دعوى الألوهية، وربما ادعوا النبوة تخفيفا من وقع الدعوى، ومع الوقت، حول إبليس تلبيسه إلى جهة الجملة، فظهر فكر تأليه الإنسان وأنه مركز الكون، وأن على خطاب الوحي أن ينطاع لأغراضه وأهوائه وإلا رد، فسمعنا عن دعوتهم حقوق الإنسان، وهي أمور لا إشكال في اعتقادها، لكنهم جعلوها حقوق الإنسان الإله الذي لا يجوز أن يُمنع من شيء من أهوائه وشهواته.

ولذلك عرف التاريخ قديمه وحديثه دعوات إلى الإباحية، واستباحة ما حرمته الشرائع، وكانت العلمانية في هذا ضاربة جذورها في التاريخ، وليست دعواتها للحريات الفردية بمعنى استباحة المحرمات أمرا جديدا علينا، وإنما هو امتداد لما كان عليه أسلافها منذ آلاف السنوات، فليست نتاجا للتطور الفكري والحضارة التقدمية، بل هي رجعية وعودة إلى الوراء.

الإباحية طوائف وفرق لا ترى تحريم شيء من الأموال والأعراض والأفعال والأقوال والاعتقادات، ولهم مشارب مختلفة، ويشتركون في إسقاط التكليف وإهماله، ولهم في ذلك مذاهب، وقد حاول ابن الخطيب الأندلسي أن يحصرهم في ثلاثة أصناف، صنف لم يبال بالتكليفات أصلا جحودا، وصنف يتأول المحرمات وهم قوم من الباطنية، وصنف حملوا التكاليف على أحوال البدايات وأسقطوها عند النهايات، وقد قارب في تقسيمه واقع أمرهم ولم يبعد، وهي محاولة قيمة، تدل على متابعة جيدة لفكر الإباحة وطرقه، وقد ذكر الإمام الأشعري طائفة منهم في مقالات الإسلاميين ممن كانوا يستحلون أكل لحم الخنزير وشرب الخمر والزنا وترك الصلاة، زاعمين أنه ليس عليهم فرض لأنهم فوق ذلك.

ذكر العلماء مثل الشهرستاني في” الملل والنحل” فرق الإباحية في أديان الفرس والهند وغيرها، ونبهوا على شيء من ذلك عند الصابئة وفلاسفة اليونان، ومثله عدد ممن ألف في بيان مذاهب الناس وأديانهم في القديم والحديث، والملاحظ أن كل ما يذكرونه عن هذه الفرق القديمة هو نفسه ما يدعوا إليه بنو علمان في العالم، غربيهم وشرقيهم، عربيهم وعجميهم.

فلا تصدق دعواهم حداثة هذه الدعوات، فهي عند التحقيق دعوات رجعية متخلفة قديمة أعيد تدويرها وتجديد شكلها، لتناسب طريقة التفكير الجديدة عند الناس، ولأجل رد هؤلاء عن غيهم نزل الوحي، وهم يظهرون ويجتهدون في عدائهم لكل ما له علاقة بالأنبياء وشرائعهم، ومنهم علمانيو بلاد المسلمين، وهم أشداء على شرائع الإسلام والمسلمين، وليس لهم من غرض إلا الوفاء بما أخذه إبليس من عهد الغواية على نفسه، بل وصل حال الوفاء عند بعضهم إلى الدفاع عن سيدهم “إبليس”، كما فعل العلماني السوري صادق جلال العظم.

لم تخل كتب علماء الكلام المعتزلة والأشاعرة وكتب أهل الحديث والفقهاء من الرد على هؤلاء الإباحيين أو الاستباحيين الملاحدة، فقد كانوا يعرفون حقيقة دعواتهم ومقاصدها، ولذلك تصدوا لهم بكل ما أوتوا من قوة الحجة، وأعانهم في ذلك الشعب ووكلاؤه، من الحكام والولاة والخلفاء، فضيقوا عليهم، وهمشوا دعواتهم، وتوبع من تخفَّى من هؤلاء الباطنية من طرف حراس قانون العدل القائمين على مصالح الأمة.

الدعوة -اليوم- في المغرب للحريات الفردية في عدم تجريم الزنا واللواط وقتل الأجنة الحية في بطون أمهاتها دعوة قديمة متجددة، وبيانها بالرجوع إلى الأسس الفكرية للقوم ومعرفة مقاصدهم، وفضحهم بالحجة والبرهان، وتقوية الترسانة القانونية لصدهم عن تخريب الأديان والأخلاق والقيم، والإبقاء على العقل الجمعي عند المغاربة في استقباح كل ذلك، وإن كان المستقبح موجودا بين الناس، أما أن يصير مستحسنا مرغوبا فيه غير مدفوع، وتيسر له الوسائل، فسيصير عندنا بعدها خمارات في كل الشوارع، ويشرب الخمر على جل الموائد، وستنتشر دور بغاء في كل حي، وستمتلئ العيادات بعمليات الإجهاض من الزنا، فعندنا من أهل السوء من يفي بهذا الغرض إن مُكِّن لهم، فإنه سيظاهرهم من إخوانهم من خارج البلاد من عربي وعجمي، وسيمدونهم بأحدث ما يخرب وأشد ما يفسد، فهي إذن باب إن فتحت، دخل منها ريح سوء فأفسد النَّفَس، وهدم الدار.

رغم كل هذا، فعقلاء القوم وأسيادهم في الغرب يعلمون أن فتح الباب أكثر مما فتحوه مفسدة كبرى، ولذلك يصر القانون الفرنسي مثلا على تجريم زواج المحارم، وهي قوانين دينية في نظرهم، ولذلك ترى بعض متطرفي الإباحيين يطالبون برفع هذا التجريم، وقد حصل ذلك في بعض الدول الأوروبية، ولعلنا نسمع يوما مغربيا يدعو إلى ذلك!

إن المطالبة برفع التجريم القانوني عن “الكبائر” بدعوى فصل الدين عن القانون دعوى صريحة إلى هدم أسس “إمارة المؤمنين” رغبة في تجاوزها، وتحطيمها للولوج إلى مرحلة الإقصاء العملي الكامل للإسلام من حياة الناس، وإعادة لتنزيل التجربة الأتاتوركية والبورقيبية وغيرها، وهو أمر سوء منذر بخراب البلاد والعباد، ولا يجوز تمكين هذه الأقلية من رقاب الأمة.

ليس الأمر مع كل هذا بهذا السوء الذي قد يبدو كبيرا في هذه الكلمات، فإن لله جندَ خير وحراسَ حدود، وجبهات دفع وصد انتماؤها إلى هوية هذا البلد، كفيلة بردع هؤلاء ورمي مشاريعهم في الزبالة، ونسأل الله تعالى أن يكف أيدي هؤلاء المتلاعبين بالأمن والإيمان عن العباد والبلاد، ونصيحتي لكل مؤهل للمدافعة والمرافعة بالحجة والبرهان أن يقوم لله، يفضح هؤلاء، ويظهر مكارم الإسلام ومحاسن شريعته، وليستعملوا الخطاب بالقرآن والسنة بلغة الشريعة، أبى من أبى وقبل من قبل، فليس الأمر لعبا، وإذا ضربت بالحجة فأوجع، فإن العاقبة واحدة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *