فقه تطهير النفس

 

المراد بطهارة النفس: طهارة الإنسان المعنوية؛ أي: طهارة نفس الإنسان من الذنوب وآثار المعاصي (التخلية).

والتخلية مقدمة على التحلية؛ أي: قبل تحلية النفس بالمكارم لا بد من تنقيتها وتطهيرها من الأوساخ.

الأصل القرآني لورد الطهارة:

قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]

وفي قوله تعالى: إن الله يحب التوابين، قولان[1]:

أحدهما: التوابين من الذنوب، قاله عطاء، ومجاهد في آخرين.

والثاني: التوابين من إتيان النساء الحُيّض، ذكره بعض المفسرين.

وفي قوله: ويحب المتطهرين، ثلاثة أقوال:

أحدها: المتطهرين من الذنوب، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو العالية.

والثاني: المتطهرين بالماء، قاله عطاء.

والثالث: المتطهرين من إتيان أدبار النساء، روي عن مجاهد.

وروى الطبري بسنده عن مجاهد: “يحب التوابين“؛ من الذنوب: لم يصيبوها، “ويحب المتطهرين“؛ من الذنوب: لا يعودون فيها”.

وقال الله تعالى في [التوبة: 108]: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}.

من قول الله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]

قال أبو العالية: “أن يتطهروا من الذنوب”[2].

نستنبط من الأقوال في تفسير الآيتين: وجود ترابط بين الطهارتين الحسية والمعنوية:

يؤكده الحديث التالي:

عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:

أرأيتُم لو أنَّ نهراً ببابِ أحدِكم يغتسل فيه كلَّ يومٍ خمسَ مرات، هل يبقى من دَرَنِه شيء؟“.

قالوا: لا يبقى من دَرَنِهِ شيء.

قال: “فكذلك مثلُ الصلواتِ الخمس، يمحو الله بهنَّ الخَطايا“. رواه البخاري ومسلم

(الدَّرَن) بفتح الدال المهملة والراء جميعاً: هو الوسخ.

كيف تؤثر المعاصي على القلب؟

عن حذيفة قال: سمعتُ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: “تُعْرَضُ الفِتنُ على القلوبِ كالحَصيرِ عُوداً عوداً، فأيُّ قلْب أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتَةٌ سَوْداءُ، وأيُّ قلْبٍ أَنكَرها نُكِتَتْ فيه نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حتَّى يصيرَ على قلْبَيْن: على أبْيضَ مثلِ الصَّفا فلا تَضُرَّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسود مُرْبادَّاً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف مَعروفاً، ولا يُنْكرُ مُنْكَراً إلا ما أشْرِبَ مِنْ هَواهُ[3]. رواه مسلم وغيره.

قال الإمام النووي في شرحه (2/ 171):

“قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا)

وَمَعْنَى تُعْرَضُ أَنَّهَا تُلْصَقُ بِعَرْضِ الْقُلُوبِ أَيْ جَانِبهَا كَمَا يُلْصَقُ الْحَصِيرُ بِجَنْبِ النَّائِمِ وَيُؤَثِّرُ فِيهِ شِدَّةُ الْتِصَاقهَا بِهِ.

وَمَعْنَى عَوْدًا عَوْدًا أَيْ تُعَادُ وَتُكَرَّرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

قال بن سَرَّاجٍ: وَمَنْ رَوَاهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهُ سُؤَالُ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهَا كَمَا يُقَالُ غُفْرًا غُفْرًا وَغُفْرَانَكَ أَيْ نَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنَا مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ تَغْفِرَ لَنَا.

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ: مَعْنَاهُ تَظْهَرُ عَلَى الْقُلُوبِ أَيْ تَظْهَرُ لَهَا فِتْنَةٌ بَعْدَ أُخْرَى وَقَوْلُهُ كَالْحَصِيرِ أَيْ كَمَا يُنْسَجُ الْحَصِيرُ عُودًا عُودًا وَشَظِيَّةً بَعْدَ أُخْرَى.

قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَى هَذَا يَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ ضَمِّ الْعَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ نَاسِجَ الْحَصِيرِ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلَّمَا صَنَعَ عُودًا أَخَذَ آخَرَ وَنَسَجَهُ فَشَبَّهَ عَرْضَ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى بِعَرْضِ قُضْبَانِ الْحَصِيرِ عَلَى صَانِعِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ)

مَعْنَى أُشْرِبَهَا دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا تَامًّا وَأُلْزِمَهَا وَحَلَّتْ مِنْهُ مَحَلَّ الشَّرَابِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُشْرِبُوا فِي قلوبهم العجل أَيْ حُبَّ الْعِجْلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ ثَوْبٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ أَيْ خَالَطَتْهُ الْحُمْرَةُ مُخَالَطَةً لَا انْفِكَاكَ لَهَا وَمَعْنَى نُكِتَ نُكْتَةً نُقِطَ نُقْطَةً وَهِيَ بالتاء المثناة فى آخره قال بن دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ كُلُّ نُقْطَةٍ فِي شَيْءٍ بِخِلَافِ لَوْنِهِ فَهُوَ نَكْتٌ وَمَعْنَى أَنْكَرَهَا رَدَّهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ).

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ تَشْبِيهُهُ بِالصَّفَا بَيَانًا لِبَيَاضِهِ لَكِنْ صِفَةً أُخْرَى لِشِدَّتِهِ عَلَى عَقْدِ الْإِيمَانِ وَسَلَامَتِهِ مِنَ الْخَلَلِ وَأَنَّ الْفِتَنَ لَمْ تَلْصَقْ بِهِ وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ كَالصَّفَا وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ …

وَأَمَّا قَوْلُهُ مُجَخِّيًا فَهُوَ بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ مَعْنَاهُ مَائِلًا كَذَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَفَسَّرَهُ الرَّاوِي فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ مَنْكُوسًا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْمَائِلِ.

قَالَ القاضي عياض قال لى بن سَرَّاجٍ لَيْسَ قَوْلُهُ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا تَشْبِيهًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ سَوَادِهِ بَلْ هُوَ وَصْفٌ آخَرُ مِنْ أَوْصَافِهِ بِأَنَّهُ قُلِبَ وَنُكِّسَ حَتَّى لَا يَعْلَقَ بِهِ خَيْرٌ وَلَا حِكْمَةٌ وَمَثَّلَهُ بِالْكُوزِ الْمُجَخِّي.

وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا.

قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ: شَبَّهَ الْقَلْبَ الَّذِي لَا يَعِي خَيْرًا بِالْكُوزِ الْمُنْحَرِفِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ الْمَاءُ فِيهِ.

وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَبِعَ هَوَاهُ وَارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ دَخَلَ قَلْبَهُ بِكُلِّ مَعْصِيَةٍ يَتَعَاطَاهَا ظُلْمَةٌ وَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ افْتُتِنَ وَزَالَ عَنْهُ نُورُ الْإِسْلَامِ، وَالْقَلْبُ مِثْلُ الْكُوزِ فَإِذَا انْكَبَّ انْصَبَّ مَا فِيهِ وَلَمْ يَدْخُلْهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ”.

وَالرُّبْدَةُ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مِنْ بَيَاضٍ يَسِيرٍ يُخَالِطُ السَّوَادَ كَلَوْنِ أَكْثَرِ النَّعَامِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّعَامَةِ رَبْدَاءُ فَصَوَابُهُ شِبْهُ الْبَيَاضِ لَا شِدَّةُ الْبَيَاضِ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِهِ الرُّبْدَةُ لَوْنٌ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْغَبَرَةِ وَقَالَ بن دُرَيْدٍ الرُّبْدَةُ لَوْنٌ أَكْدَرٌ وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ أَنْ يَخْتَلِطَ السَّوَادُ بِكُدْرَةٍ وَقَالَ الْحَرْبِيُّ لَوْنُ النَّعَامِ بَعْضُهُ أَسْوَدُ وَبَعْضُهُ أَبْيَضُ وَمِنْهُ ارْبَدَّ لَوْنُهُ إِذَا تَغَيَّرَ وَدَخَلَهُ سَوَادٌ وَقَالَ نَفْطَوَيْهِ الْمُرْبَدُ الْمُلَمَّعُ بِسَوَادٍ”اهـ.

——————————————-

[1]  زاد المسير في علم التفسير (1/ 190).

[2]  زاد المسير في علم التفسير (2/ 300).

[3]  قوله: (مُجَخِّياً) هو بميم مضمومة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مكسورة: يعني مائلاً. وفسره بعض الرواة بأنه المنكوس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *