بلال التليدي: لا أرجح أن يكون لتمرير قانون “القنب الهندي” صلة بالانتخابات والقانون قد يفتح مجالا لبروز بعض النزعات الانفصالية |
1-في رأيكم لماذا تم طرح مشروع القنب الهندي في الأنفاس الأخيرة للحكومة؟
في الواقع سؤال التزامن مهم، ويحتاج إلى فك شفرته، لاسيما وأن انتخابات 2016 كانت مسبوقة بطرح مقترح قانون تقدم به فريق الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال لتقنين القنب الهندي، وهذه المرة تم طرح مشروع قانون قبيل الاستحقاق الانتخابي.
من جهة ينبغي أن نميز بين الحالتين، ففي الحالة الأولى يتعلق الأمر بمقترح قانون وليس بمشروع قانون، أي بمقترح تقدم به حزب سياسي أو حزبان، في حين في الحالة الثانية يتعلق الأمر بمشروع طرحته وزارة الداخلية وتم عرضه للمناقشة والمصادقة في المجلس الحكومي، أي أننا اليوم، وبعد المصادقة عليه في المجلس الحكومي أمام مشروع حكومي يحتاج إلى مصادقة الجلسة العامة بالبرلمان.
الاختلاف الثاني، يتمثل في السياق، ففي الحالة الأولى، لم يكن هناك أي قرار أممي بتعديل تصنيف القنب الهندي، في حين، هناك ثلاث اعتبارات مهمة وجب الانتباه إليها في السياق الحالي، أولها حصول تعديل التصنيف داخل الأمم المتحدة، وثانيها، هو توسع استعمال القنب الهني لأغراض طبية وصيدلية وصناعية، ووجود قدر من التسامح في عدد من التجارب الدولية في استعماله للتخفيف من آلام بعض الأمراض المزمنة مثل الأورام السرطانية، أما ألأمر الثالث، وهو في نظري محدد مهم وجب أخده بعين الاعتبار، وهو توسع ظاهرة الترخيص باستعمال القنب الهندي لأغراض الترفيه وفق شروط معنية في أمريكا وكندا وعدد من الدول الأوربية، فضلا عن بعض دول أمريكا اللاتينية.
ولذلك، لا أرجح أن يكون لتمرير قانون القنب الهندي علاقة مباشرة بالاستحقاق الانتخابي، إلا أن يكون القصد هو خلق بؤرة توتر بين حزب العدالة والتنمية وبين ناخبته التقليدية، التي ترتبط به لاعتبارات مرجعية وهوياتية، أما أن يكون للكسب الانتخابي بهذا القانون وجه آخر، فأتصور أنه مستبعد، ولا يمكن أن يقارن بالكسب الانتخابي الذي كان يراد تحقيقه قبيل انتخابات 2016، لأن الأمر وقتها لم يكن يتعلق بوكالة، ولا بشركات تقوم بتأميم القطاع، وإنما كان يتعلق بتباشير إنهاء المتابعة القانونية لعدد كبير من المزارعين الذين يشتغلون في إنتاج هذه العشبة.
2- من في نظركم من هو المستفيد الأول من مشروع تقنين القنب الهندي في المغرب؟
الجواب عن هذا التساؤل يقتضي بعض التدقيق، بمعطيات السوق الدولية المرتبطة باستعمال القنب الهندي لأغراض طبية وصيدلية وصناعية، طرح علامات استفهام كثيرة حول عدم تناسب الكمية المحدودة المطلوبة في هذه السوق الدولية والكم الهائل من هذه العشبة التي ينتجها المغرب، فالأمر يتعلق بأزيد من 600 ألف طن، أي، ما يفوق بأضعاف كثيرة حاجيات السوق الدولية التي يتنافس فيها منتجون كثيرون على رأسهم المغرب.
هذا التدقيق، يطرح سؤال حجم المساحات التي ستخصص للإنتاج الموجه لأغراض طبية وصيدلية وصناعية، وكيف ستتم عملية الانتقاء، ووفق اية معايير؟ وما العمل بالنسبة للمساحات الأخرى التي يفوق إنتاجها متطلبات السوق الدولية؟
التدقيق الثاني، يمليه التأمل في الطريقة سيتم بها تدبير هذا الملف، فالأمر يتعلق بوكالة تؤطر القطاع من الزاوية القانونية والإدارية، وشركات هي التي ستضطلع بشكل حصري ببيع البذور وتسلم المحاصيل، ومزارعين، يتم الترخيص لهم وفق نظام من المراقبة الشديدة، الذي يبرر بمنع أي نشاط غير قانوني، لكن قد يفهم منه، تقديم ريع اقتصادي جديد لشركات بعينها، هي التي ستحظى بالترخيص، ما دامت المعايير التي نص عليها مشروع القانون تعطي سلطة تقديرية واسعة للجهة الإدارية المختصة تسليم الرخص.
وفي كلتا الحالتين، سنكون أمام ثلاثة أسئلة مهمة أولهما، هو تحكم الشركات في سعر المحصول، ما دام المزارع ملزما بتسليمه، تحت طائلة متابعته قانونيا بالاستعمال غير المشروع وفي هذه الحالة، فإن سعر المحصول سيتراجع بشكل كبير عما كان يقبضه المزارع، مما يعني أن المستفيد الأول منه هي الشركات. أما السؤال الثاني، فيتعلق، بالتصدير، وضمان توجيه المادة المصدرة إلى الشركاء لنفس الأغراض التي نص عليها القانون، لاسيما وأن الشركات الأجنبية التي يفترض أن تزود بهذه المحاصيل، ستكون في مأمن من المساءلة والمتابعة، إن كانت القوانين الداخلية لدول إقامتها تبيح استعمال القنب الهندي لأجل الترفيه.
أما السؤال الثالث، يتعلق بفعالية المراقبة، سواء تعلق الأمر بالمزارعين، أو تعلق الأمر بهذه الشركات، فالقانون واضح في إخضاع عدد من العمليات التي يكون فيها المزارع طرفا مباشرا للرقابة الشديدة، في حين لحد الآن لا نزال ننتظر النصوص التنظيمية ودفاتر التحملات التي ستضبط عمل الشركات لمعرفة حدود هذه المراقبة.
3- ما هي آثار ترخيص استعمال القنب الهندي لأغراض طبية وصناعية؟
الجواب عن سؤال آثار الترخيص باستعمال القنب الهندي لأغراض طبية وصناعية، ليس سهلا، لأن الأمر لا يتعلق بزاوية واحدة للنظر، فثمة زاوية اقتصادية، وأخرى اجتماعية وثمة زاوية سياسية وأخرى قيمية وثمة زاوية استراتيجية لا تقل أهمية.
من جهة النظرة الاقتصادية، ما من شك أن لهذه العشبة مردود مالي يحددها الطلب الدولي، ويبشر الذين وضعوا هذا المشروع بأنها تقارب بضعة ملايين دولار سنويا وأن المغرب لم يكن في السابق يستفد شيئا من عائدات هذه المادة، والحقيقة، أن الذي لم يكن يستفيد منها هو خزينة الدولة، أما عائداتها فقد كانت محقونة في الدورة الاقتصادية، ولم تكن بعيدة عن كثير من الاستثمارات التي يقوم بها أشخاص لهم علاقة بهذه العشبة.
لكن، استفادة خزينة الدولة من العائدات الضريبة، التي سيتم تحصيلها من الشركات، وربما أيضا مما يقبضه المزارعون، فضلا عما يمكن أن تدخله من عملة صعبة، لا ينبغي أن يغطي على المعضلة الاجتماعية التي قد يتسبب فيها، فتأميم القطاع، وإلزام المزارعين بتسليم جبري للمحاصيل بشكل حصري للشركات المرخص لها، سينتج عنه تهاوي العائدات المالية المحصلة من زراعة القنب الهندي، بحكم أن السوق الدولية، لا تسمح بأكثر من 800 دولار لمحصول الهكتار الواحد في الوقت الذي كان المزارع يحصل 4000 إلى 5000 دولار عن نفس المحصول ما قبل إقرار القانون، فهذا من شأنه، إما أن يدفع المزارع إلى ترك زراعة القنب الهندي بشكل كامل بحجة ضعف العائدات، أو من الممكن أن يخلق هذا الوضع احتقانا اجتماعيا يدفع لتحرك فعل احتجاجي يسائل المنظومة الاحتكارية ويضع الريع في دائرة المواجهة.
أما البعد السياسي لهذا الموضوع، فهو ما أخشاه، وهو المرتبط بالدور الذي يمكن أن يؤدي إليه القانون في “تكتيل” بارونات المخدرات، وتعميق صلاتهم بالمزارعين، وتحريك فعالية الاحتجاج في منطقة تعاني من ضعف شديد في حركية التنمية، بما قد يفتح المجال لبروز بعض النزعات الانفصالية.
الزاوية القيمية، لا يمكن الاستهانة بها، فواقع ضعف العائدات المالية، سيجعل المزارع ينحو نحو البراغماتية، فالترخيص يعفيه من جهة من المتابعة، لكن العائدات المالية المحدودة بالمقارنة مع السابق قد تدفعه للتحايل، واستثمار منظومة الفساد لتبرير الاستمرار في الاستعمال غير المشروع لمادة القنب الهندي، بل ما أخشاه، أن يكون هذا القانون خطوة أولى، يستثمرها البعض لتحريك نقاش آخر يتعلق باستعمال القنب الهندي لأغراض الترفيه، بتأويل للقانون، لاسيما مادته السادسة والسابعة عشرة، أو بالعمل على إحداث تعديلات في القانون تناسب التطور الذي حصل في تجارب دولية انفتحت بقيود وضوابط على الاستعمال الترفيهي للقنب الهندي.
الاعتبار الاستراتيجي لا ينبغي تغييبه، فزراعة القنب الهندي تتطلب أحجام كبيرة من المياه، والترخيص له، يمكن أن يزيد من الطلب على المياه، بالشكل الذي سيتسبب في الإضرار بالمياه الجوفية، لاسيما في السنوات التي يقل فيها المطر.