ومكروا مكرا كُبارا.. والإسلام باق يتمدد د.أحمد اللويزة

بعد قيام النبي عليه الصلاة والسلام بواجب أمر الله له بإنذار العشيرة الأقربين، والمجاهرة بالدعوة إلى رب العالمين، ومنذ ذلك اليوم الذي وقف فيه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب ليعلن الحرب على الإسلام ويبخس دعوة محمد عليه الصلاة والسلام وإلى اليوم الإسلام يواجه حروبا شرسة، وقذرة، للقضاء عليه ومحو أثره في الوجود.

فمنذ بزوغ فجر الاسلام وهو يواجه المؤامرات والحروب بداء من دار الندوة التي كان يجتمع فيها المشركون لمناقشة الأوضاع وضع الخطط لمحاربة الإسلام، مرورا بغزوة الأحزاب التي تحالفت فيها القبائل وخان فيها اليهود وتجرأ فيها المنافقون، إضافة إلى خيانات اليهود المتكررة، ثم ارتداد القبائل وتحرشها بدولة الإسلام، ثم تحالف إمبراطوريتا الفرس الروم ضد الإسلام في السنة الثانية عشر للهجرة في معركة الفراض، رغم ما كان بينهما من حروب وعداوة دامت سبعة قرون…

وبعدها حروب المغول والتتار، والفاطميين العبيدين، والحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، وحروب الاستعمار وغير ذلك من الحروب الدموية والفكرية والثقافية والسياسية التي كانت تروم قطع جذور الإسلام ومحو المسلمين وجودا وتاريخا.

فمن طالع التاريخ وتأمله يجد أن الإسلام واجه كل ذلك بصبر وثقة وعزم ويقين… وتخطى كل تلك المحن التي يتقين المطلع عليها أنه لو كانت موجهة إلى غير الإسلام من أديان وشعوب وطوائف لأصبحت في خبر كان… -وكم انقرضت من شعوب وملل تعرضت للإبادة عبر التاريخ-.

إلا أن الإسلام وصموده وشموخه يجعل الحصيف المتعقل يتساءل وبانبهار عن السر في هذا الصمود والثبات والبقاء والاستمرار والتمدد رغم رياح العداوة والحروب والكيد والمؤامرات العاتية المدمرة.

إن الجواب على السؤال واضح جلي بالنظر إلى طبيعة الأشياء وما هو مسلم به عند الأصدقاء والأعداء من أن قوة الإسلام التي لا تبلغها قوة هي العامل الأساس في هذا الصمود أمام هذا الكم الهائل من محاولات الإقبار ومحو الآثار وقلع الجذور لدين الإسلام.

لكن المسلم المؤمن بعدالة الإسلام وأنه الحق الذي لا يقهر والخير الذي لا يهزم، وأنه القوة القاهرة رغم لحظات من الهزائم. يعلم أن الإسلام دين الله جاء به أنبياؤه، وأن الله وعد وعد الحق أن ينصر دينه وأنبياءه وأهل دينه المتمسكين به المنافحين عنه مصداقا لقوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).

هؤلاء المؤمنين على قلتهم لا يضرهم حجم المكر والتآمر الذي لم يعد خفيا بل ظاهرا لكل من لم تطمس بصيرته من المسلمين، فهم موقنون بأن الله قاهر فوق عباده، وأن مكره بأعداء دينه لا يقاوم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال، فقد قضى الله أن مكر الماكرين يرتد عليهم وأنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فعبر تاريخ الأنبياء كانت إرادة الله فوق إرادة الأشرار أعداء الحق ودعوة الأنبياء، فقد مكر قوم نوح وقوم صالح وقوم لوط وملأ فرعون وقوم عيسى…، وقد قال تعالى عن قوم  نبيه صالح وهم يمكرون ويدبرون بليل ما سيفعلون به (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم انا دمرناهم وقومهم أجمعين…)[النمل].

كانت هذه عاقبة أولئك الرهط الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون… وهي رسالة إلى أولئك قال الله فيهم (ويسعون في الأرض فسادا) [المائدة] الذين يفسدون ولا يصلحون في زماننا من الذين يتآمرون على البشرية وليس الإسلام فحسب، وإن كان الإسلام هو عدوهم الأول. أن ينتظروا من الله ما لا يخطر لهم على بال، فهو خير الماكرين ومن ورائهم محيط.

أعداء الإسلام بالأصالة -وليس بيادقهم- يدركون هذه الحقيقة، ولكن الشر المتأصل في النفوس والقلوب لا يشعر أصحابها بوجودهم ولا يرتاحون إلا وهو يحاربون الحق طمعا في لحظة انتشاء وهو ينتصر في جولة من الجولات التي يضعف فيها معسكر الإسلام ويتخلى فيها اهل الإسلام عن واجب النصرة والدفاع. ليأتي الله بقوم يحصل لهم شرف الريادة فيعود معهم الإسلام الى السيادة والقيادة.

فالقضية إذن ليس الخوف على الإسلام فهو منصور مؤيد ظاهر، ولكن الألم يعتصر الفؤاد على ما يعيشه من ينتسبون إلى الإسلام من ذل وهوان مستسلمين للمكر الكُبار من الكِبار…لا يريدون أن يأخذوا بأسباب النصر والتمكين المتمثلة في عودة صادقة إلى الدين ليرفع الله عنا هذا المقت والوبال والهوان.

وينتهي هذا المكر والشر المستطير الذي يحدق بالعالم، والذي لن يقف في وجهه إلا قوة الإسلام القاهرة العادلة ولا شك أن هذا وقتها وأوانها، فقد استفحل الشر وطغى وظن أهل المكر أنهم أصبحوا آلهة من دون الله… وحق على الله أن العلو الكبير ليس بعده إلا النزول.. فلنتخلص من اليأس.. ولنتجرد من وهن الانبهار بمكر الماكرين الذي يبث في النفوس الخور والانهزام النفسي، فما أخطر الهزيمة النفسية، فهي كسجن مفتوح الأبواب يسجن فيه المرء نفسه يعيش وهم القيود ويقنع نفسه أنه غير قادر على التحرر والانعتاق.

فاللهم فرجا قريبا بعبادك…ونقما سريعا بالمفسدين في أرضك وبلادك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *