معركة تطاوين.. إسبانيا تخترق البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي محمد زاوي

يؤرخ كثيرون لاستعمار المغرب بتاريخ توقيع معاهدة الحماية مع فرنسا، أو بتاريخ تقسيم المغرب بين فرنسا وإسبانيا حسب نفوذ وتاريخ كل منهما. والحقيقة أن لكل هذه الأحداث مقدمات وقابليات، تلك هي البنية المتخلفة للمجتمع المغربي قبل التدخل الاستعماري في النصف الثاني من القرن 19 م، وتلك هي بنيته المفككة بعد هذا التدخل وقبل “التشكيل الاستعماري” في العقد الأول من القرن 20 م.

لم يكن الاستعمار ليتشكل في مجتمع كالمغرب، رغم تخلفه، إلا بتفكيكه واستباحته رأسماليا. هذا ما بدأه الاستعمار الإسباني في حرب تطوان (1860)، وهذا ما عبر عنه عبد السلام الموذن بقوله: “للسيطرة الامبريالية على المغرب تاريخ. وتاريخها يبدأ، ليس سنة 1912 (توقيع معاهدة الحماية)، مع السلطة المخزنية المنهارة، بل ولا حتى سنة 1906 (اتفاقيات الجزيرة الخضراء). إنه يبدأ في منتصف القرن التاسع عشر، عندما أدى الصدام العنيف بين الرأسمال الأوروبي والمجتمع المغربي، إلى فتح هذا الأخير أمام لتجارة الأوروبية. أما الضربة القاضية التي حسمت ذلك الصراع نهائيا لصالح الفتح التجاري الأوروبي، فقد مثلتها تاريخيا الحرب المغربية-الاسبانية، المعروفة بحرب تطوان سنة (1860)”.

ثم بقوله: “من هنا، يمكن القول، بأن حرب تطوان، مثلت، من الناحية التاريخية، مرحلة التمهيد التجاري-المالي، لمرحلة لاحقة، هي مرحلة التتويج السياسي-العسكري التي ستمثلها معاهدة الحماية في مطلع القرن العشرين”. (1)

ولا بدّ أن نتساءل: لماذا كانت إسبانيا من أوائل الدول التي تجرأت على السيادة المغربية، وعلى اختراق البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي؟

إن السبب في ذاك راجع إلى:

– أن “مصير المغرب كان يهم إسبانيا التي كانت تحتل سبتة ومليلية في الشمال، وتعمل جاهدة على بسط سيطرتها الاستعمارية على جزء من الصحراء المغربية في الجنوب الغربي للمغرب”.

– وأن “سياسة فرنسا التوسعية في المغرب هددت كذلك مصالح إسبانيا التي كانت قد سيطرت منذ القرن السادس عشر على بعض المراكز الرئيسية في الساحل الشمالي للمغرب”. (2)

لقد أدى انهزام الجيش المغربي، أمام الجيش الإسباني، إلى:

– انهزام عسكري، سببه تخلف الجيش المغربي بالمقارنة مع الجيش الإسباني الذي كان متقدما عليه بالخبرة والعتاد.

– انهزام سياسي، أخضعَ الدولة المغربية للاعتداء الإسباني، وفرض عليها الجلوس إلى طاولته وعلى أرضية انتصاره العسكري، كما فرض عليها التدخل في سياساتها (خاصة منها المتعلقة بالاقتصاد).

– انهزام اقتصادي، فرضَ على المغرب فتح سوقه الداخلية للمنتوج الأجنبي، ما أدى إلى إضعاف المنتوج المحلي، لأن الأول أكثر منه جودة وأقل كلفة. كما دفعت هزيمة تطوان المغرب إلى تبني عدة سياسات اقتصادية جديدة، أبرزها التعامل بالنقد بدل الأداء العيني، الأمر الذي انعكس على أداء الضريبة ووضع الفلاح المغربي في قبضة المعاملات النقدية (اختراق رأسمالي). (3)

– انهزام اجتماعي، تجلى في تفكك البنية الاجتماعية التقليدية في القرى المغربية. وهو ما عبر عنه عبد السلام الموذن بقوله: “فهذه الأسرة القائمة على الاكتفاء الذاتي، والمتروكة لقوانينها الداخلية الخاصة، غير قابلة للتدمير والتفكيك. إن التدمير في هذه الحالة، لا يمكن أن يصدر إلا عن عامل خارجي. ليس أي عامل خارجي، فالحرائق والجفاف والحروب مثلا، يمكن تطويق آثارها المدمرة والحد من ضررها. إن العامل الخارجي الذي لا ينفع معه أي شيء، هو البضائع الرأسمالية الغازية”. (4)

– انهزام ثقافي: فالبنية الثقافية ليس منفصلة عن باقي البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل هي مرتبطة بها ومتأثرة بتحولاتها. كما أن هذه البنيات المادية الجديدة ليست محايدة، بل متحيزة وتحمل معها ثقافتها الجديدة.

وأخيرا، لخص عبد السلام الموذن هزيمة حرب تطوان بقوله: “إن هزيمة المغرب أمام إسبانيا في حرب تطوان، لم تكن تعني –بالنظر إلى عواقبها التاريخية البعيدة-مجرد هزيمة عسكرية تقنية، يمكن تداركها في وقت وجيز، بل لقد كانت تعني، أن وراء الهزيمة العسكرية، توجد هزيمة أخرى أكثر عمقا وشمولا: إنها هزيمة مجتمع قبلي متخلف، أمام مجتمع إقطاعي متطور، يتهيأ للانتقال نحو الرأسمالية”. (5)

هوامش:

(1): عبد السلام الموذن، الأسس المادية للثورة التحديثية بالمغرب.

(2): عبد الواحد الناصر، التدخل العسكري الأجنبي في المغرب: قراءة في جيوستراتيجية المغرب خلال القرن 19 م وأوائل القرن 20 م”، مطبعة إليت، 1999، ص 88-89.

(3): عبد السلام الموذن، نفس المرجع السابق.

(4): نفسه.

(5): نفسه.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *