هل يصح في ميزان الإسلام قول: أنا مسلم علماني؟ د.رشيد بنكيران

يعتقد بعض المسلمين المغاربة الذين ينادون بعلمنة المجتمع المغربي ومؤسسات الدولة واتخاذ الفكر العلمانيمنهاجا يجب اتباعه في تأطير حياة الإنسانأن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام، بحيث يمكن الجمع بينهما، ولا مانع من أن يكون الإنسان مسلما وفي الوقت نفسه علمانيا، حتى صار بعضهم يُعرف نفسه بقوله أنا مسلم علماني ولا يرى في ذلك أي تناقض. وهي عبارة كافية لتدل على أن قائلها وقع في جهل كبير بحقيقة الإسلام، أو بحقيقة العلمانية،أو وقع في فخ التلبيس من طرف دعاة العلمانيةوالحداثة، أو غرر به من طرف أنصاف العلماء الذين زينوا له الباطل وأظهروه بصورة لا يتقاطع مع الحق الذي تفرد به الإسلام عقيدة وشريعة.

وسعيا مني في رفع الالتباسعن هذه المسألة وبيان المحجة البيضاء وتقديم النصح إلى هؤلاء جميعا وتحذيرهم من خطورة العلمانية فكرا وممارسة اكتب هذا المقال الذي اخترت له عنوانا: هل يصح في ميزان الإسلام: أنا مسلم علماني؟

من القواعد العلمية المقررة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولهذا ـ وقبل أي حكم على السؤال أعلاه موضوع هذا المقال ـ يحسن بنا أن نمهد له بمقدمة نبين فيها مفهوم العلمانية وحقيقتها، لكي نتصورها تصورا يمكِّننا من أن نجيب عن ذلك السؤال بموضوعية بعيدا عن أحكام القيمة المسبقة.

العَلمانية فكر وضعي معاصر يعطي للبشر الحق المطلق في سن تشريعات وقوانين يخضع لها الجميع، ويقوم على أساس إقصاء الدين من الحياة العامة للمجتمع، ويتدخل بالتبع في الحياة الخاصة للفرد.وتتنوع العلمانية باعتبار موقفها من الدين إلى ثلاثة أنواع:

علمانية متطرفة: وهي التي تنكر وجود الله الخالق، وتدعو الناس إلى الإلحاد والتحرر من رِبْقة التدين ومناهضة التشريع السماوي في الحياة العامة والخاصة. ومن الأمثلة المعاصرة لهذا النوع، الشيوعية الماركسية (لا إله، والحياة مادة… والدين أفيون الشعوب).

علمانية صلبة: وهي التي لا تعطي لفكرة وجود الخالق سبحانه من عدمه أهمية فارقة، فتتحاشى الحديث عن هذه المسألة،بيد أنها تمنع أن يكون لله جل جلاله دور في الحياة العامة للمجتمع، فتسند تقنين العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى البشر وفق مرجعية غير دينية، فلا سلطان لله الخالق على الحياة العامة للبشر، ولا تدبير للمجتمع إلا ما يأذن به عقل الإنسان.

علمانية ناعمة: وهي التي لا تنكر وجود الله الخالق، وتقدس الحرية المطلقة للفرد، وتدعو إلى احترام معتقدات الناس على المستوى الفردي، سواء كانت هذه المعتقدات دينية أو غير دينية، وسواء كان أصحابها كثيرين أو قلة، بل الأقلية في ظل هذه العلمانية تلقى اهتماما أكثر، حتى أصبح شأنها يُعرف بحقوق الأقليات. وقد يوجد في صفوف هذه العلمانية من يمارس بعض الشعائر الدينية مثل الصلاة والصيام والحج وغيرها. وفي المقابل، وهذه هي المفارقة البراح، فهي تمنع أن يكون لله حق في الوجود على مستوى التشريع العام وسن القوانين، فتكفر بالله مشرعاً للحياة العامة للخَلْق بعدما أقرت به خالقا لهم. ولهذا كانت مفاهيم الروابط الاجتماعية لديها لا تخضع لسلطة الله سبحانه. ومن أبرز هذه الروابط الاجتماعية، رابطة الأسرة وما يتعلق بها من حقوق وواجبات مادية ومعنوية وأخلاقية بين الزوجين وبين والأقارب.

أما ما قد يصدر عن أصحاب هذا القسم من كلام يدعو إلى احترام المجتمع المتدين على المستوى الاجتماعي وفي الفضاء العام، فإنما هو تدرجٌ منهم في تنزيل مبادئ العلمانية، واستدراجٌ لذلك المجتمع حتى يتشرب الفكر العلماني.وعليه، فهذا اللون من العلمانية، يشكلتهديدا حقيقياعلى المسلمين من باقي العلمانيات الأخرى، نظرا لأسلوبها الناعم الماكر الذي تنهجه في تقديم نفسها للمجتمع، وتتظاهر بمظهر الحاضن لجميع التنوعات الفكرية لدى أفراده ومجموعاته والمحايد أمام الجميع، بيد أنها تعمل على استئصال الإسلام الصحيح أو إقصائه من الحياة العامة وتسعى إلى الهيمنة على المجتمع الإسلامي دون الوقوع في الاصطدام المباشر غير المحسوب العواقب أو فيما يكون سببا في معرفة الناس لخطورة هذا النوع من العلمانية.

نخلص، بعد هذه المقدمة، إلى أن العَلمانية بجميع أنواعها رفضت أن يكون الله الخالق مشرعا للمجتمع، وأنكرت حق الله الخالص في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وأبت أن يكون لدين الله دور في تأسيس المفاهيم الأخلاقية لدى المجتمع، ولم تأذن له في الوجود إلا في ضمائر الناس وعبر شعائر محددة، كالصلاة والصيام والحج… التي لا ترتبط بتنظيم الحياة العامة للناس في مجالاتهاالمتنوعة.

ولأجل بيانٍ شافٍ لمكونات الواقع المطلوب تصوره، وإبرازِ مدى اغتصاب العلمانية حق الخالق في التحليل والتحريم أو التشريع وسن القوانين أسوق هذه الأمثلة الآتية:

  • تقسيم تركة الميت: تدعو العلمانية إلى تقسيم ما تركه الميت من أموال وفق أصل المساواة المطلقة بين الجنسين الذي يلغي كل فرق بين الذكر والأنثى، وتعتقد أن ما جاء به الإسلام في الإرث جوْر ضد المرأة لصالح الذكر. ولتسويغ هذه الدعوة، تستند العلمانية إلى الحقوق الكونية الوضعية، أي التي وضعها الفكر الغربي وحده وفق مرجعيته التي تقرر أن الدين لا دخل له في الحكم بين الناس، وخاصة في تقسيم ما يملكون.أما ما شرعه الله سبحانه، والذي أعطى كل ذي حق حقه بنص قطعي الثبوت والدلالة كما جاء في القرآن، فلا حظ لديه في تقسيم أموال الميت عندهم.
  • العلاقة الجنسية: ترى العلمانية أن الإنسان حر في جسده، فهو مالكه حسب تصورها، وله الحق الكامل في أن يمارس الجنس مع من شاء (زنا، لواط، سحاق)، وتدعو المجتمع إلى قبول هذه العلاقات، أو ما يسمى بالفكر الإباحي، على أنها حقوق شخصية لا تضر المجتمع في شيء ما دام أنها ستكون رضائية بين بالغين في فضاء خاص، متجاهلة بذلك حق الله في تحريم العلاقات الجنسية غير المؤطرة بشريعته التي حددت الحلال من الحرام منها.
  • الخيانة الزوجية: تعتقد العلمانية وفق فلسفتها في مفهوم الحقوق الكونية وحرية الجسد أن الزنا الذي يقع من أحد الأزواج هو جريمة وقعت في حق الزوج الآخر، ولهذا لو تنازل صاحبُ الحق للزوج الخائن لرفعت جريمة الخيانة وسقطت عقوبتها. ولكن الإسلام يأبى هذا التفسير السطحي للحقوق، ويرى أن هناك حقوقا لله عز وجل أعلى من جميع الحقوق تسمى حدوده ويطلق عليها القانون أحيانا بالحق العام، فمن تعدى حدود الله بالزنا مثلا وجب صيانة حق الله تعالى من الضياع، ولا يجوز التنازل عنه والتفريط فيه حتى لو تنازل الزوجان عن حقهما وأيدهما المجتمع، فلا بد من عقوبة الزاني توقيعا لحق الله تعالى.
  • إباحة الإجهاض: تطالب العلمانية بحق المرأة في الإجهاض وبتقنينه على أساس أنه حق خالص للمرأة الحامل، ومسألة شخصية مباحة تلجأ إليها متى شاءت؛ لأن تلك المرأة هي من تملك حق تقرير مصير الجنين الذي في رحمها. أما حق الخالق الذي جعل من النطفة في الرحم علقة ثم خلقها مضغة، ثم نفخ فيها الروح، فلا اعتبارلحكمهفي الإجهاض ولا شأن له في ذلك، فالإقدام على هذا الفعل دون ضرورة شرعية تغليب لهوى المخلوق على حق الخالق ومصادرة لحق عظيم من حقوق الله تعالى.

وإذا اكتفينا بذكر هذه الأمثلة التي كان الغرض منها بيان واقع العلمانية، ومدى مصادمتها للشريعة الإسلامية، ودعوتها للفكر الإباحي لما حرم الله، فهناك أمثلة أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها كالمطالبة بإسقاط حكم القصاص أو عقوبة الإعدام عن القاتل العمد، وإباحة التبني المحرم إجماعا، وإباحة “الزواج المثلي”، والترخيص لانتهاك حرمة رمضان بالفطر…

إلاّ أنه يتعين التنبيه إلى أن كل ما ذكر من أمثلة لا يلزم العلماني أن يمارسها عمليا حتى يكون علمانيا، فنحن نرى من أصحاب هذا الفكر من يصلي ويصوم ويأتي ببعض مظاهر العفة مثل الحجاب، ويبتعد عن بعض المحرمات…، وإنما المطلوب منه ليكون علمانيا أن يعتقد إباحة تلك المطالب المسماة حقوقا ويقدسها، وأنها تدخل ضمن حقوق الإنسان أو حريته الشخصية، وهي مباحات مأذون بها، ولا دخل للدين في منعها أو تقييدها، وبهذا الاعتقاد يكون علمانيا مخلصا ووفيا لمبادئ العلمانية وإن لم يمارسها عمليا بنفسه.

بيد أن اعتقاد إباحة هذه الحقوق العَلمانية التي مثلنا لها واستباحتها هي في حقيقتها في معنى الاستحلال لما حرم الله سبحانه من المعلوم من الدين بالضرورة، فلفظ “الاستحلال إنما يستعمل في الأصل فيمن اعتقد الشيء حلالاً” كما ذكره الشاطبي في كتابه الاعتصام (2/582)، فالمراد بقوله “الشيء حلالا” أي يباحفعل ذلك الشيء، ومن حق من شاء أن يأتيه متى شاء دون أن يعترض عليه أحد.

وإذا ارتبط ذلك الشيء المستباح بما حرمه الله سبحانه وتعالى، وكان تحريمه معلوما لدى الجميع؛ الكبير والصغير، والمثقف وغير المثقف، والمقيم في الحضر والمقيم في البادية، والمتخصص في الشرع وعامة الناس، أي المعلوم الذي لا يمكن لأي أحد أن يجهله مهما كان وضعه ومستواه، فمن من المغاربة يجهل حرمة الزنا مثلا ، فالعلم بحرمة الزنا لا يمكن لأحد أن يدفعه عن نفسه، إلا إذا كان يعيش في أحوال نادرة هي أقرب إلى المستحيل، فهذا له وضع خاص وحكم خاص… قلت: إذا ارتبط ذلك الشيء المستباح بما حرمه الله سبحانه وتعالى كالزنا مثلا، ورغم ذلك يطالب بإباحته واستحلاله من يعتقد في نفسه أنه مسلم، وأن ذلك يدخل ضمن حرية الإنسان الشخصية وهو حق من حقوقه، فقد وقع في خطر عظيم يهدد أصل إيمانه، وبهذا شهد علماء الإسلام:

يقول القاضي عياض رحمه الله (ت 544هـ) وهو من كبار علماء المالكية في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 287): “أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم الله بعد علمه بتحريمه”. انتهى

لا أظن أن كلام القاضي عياض يحتاج إلى شرح أو توضيح، ولكن ينبغي التركيز على مصطلح الإجماع الذي نقل ودلالته القاطعة على الحكم، والذي لم يقع فيه اختلاف بين المسلمين، وما ذكره القاضي عياض رحمه الله ذكره غيره من علماء المذهب، ومن بين هؤلاء العلماء:

قال محمد بن رشد الجد (ت520هـ) في كتابه البيان والتحصيل (16/ 394): “أما من جحد فرض الوضوء والصلاة والزكاة أو الصيام أو الحج، أو استحل شرب الخمر، أو الزنا…، فلا اختلاف في أنه كافر، وإن قال إنه مؤمن، فيعلم أنه في ذلك كاذب للإجماع المنعقد على أن ذلك لا يكون إلا من كافر”.اهـ
يوضح كلام ابن رشد الجد رحمه الله سبب كفر من استباح محرما مثل الزنا مثلا، وهو أنه يتضمن تكذيبا لله سبحانه وتعالى، لأن الله حرم الزنا، والعلماني يقول هي مباحة، وللإنسان الحق في ممارستها، وتدخل ضمن حريته الشخصية.

وقد تتابع العلماء المالكية بتكفير من استحل محرما معلوما من الدين بالضرورة، فنقل بهرام تاج الدين السلمي الدمياطي المالكي (ت 805 هـ) في كتابه “الشامل في فقه الإمام مالك” الإجماع على كفره، وكذلك أبو عبد الله المواق المالكي (ت 897هـ) في كتابه “التاج والإكليل لمختصر خليل”، ومحمد ابن غازي العثماني المكناسي (ت: 919هـ) في كتابه “شفاء الغليل في حل مقفل خليل”، و محمد بن أحمد الدسوقي (ت 1230هـ) في “حاشيته على الشرح الكبير”، وغير هؤلاء كثر، كما هو مقرر في جميع المذاهب الإسلامية الأخرى. وإنما اكتفيت بالنقل عن علماء المذهب المالكي للمكانة السنية العالية التي يحضون بها عند المغاربة وحُق لهم ذلك، ولتكميم أفواه ما لبثوا يلصقون تهمة التكفير أو الوهابية أو الداعشية بمن تحدث في مثل هذا الموضوع وبهذا النفس واستدل بعلماء خارج المذهب المالكي.

ولا يخفى على أهل العلم وأولي النُّهى أن الحكم بالكفر على الأعيان؛ فلان وفلانة ممن تلبس بالعقيدة العلمانية الإباحية يتطلب إثبات شروط وانتفاء موانع عند تنزيل الحكم، ليس هذا المقال موضعا للتفصيل فيها، كما أنه ليس من هدفه أن يكون مرجعا للمتسرعين في تكفير أعيان الناس، لأن مسألة تكفير الأعيان من أخطر المسائل في الدين وتحتاج إلى فقه عميق لا يتكلم فيها إلا كبار العلماء…

وبناء على ما سبق تقريره في الفقرات السابقة، فمن المستحيل أن يكون المسلم مستسلما لشريعة الله ويعتقد أحقية الله في التحليل والتحريم ويكون كذلك في الوقت نفسه علمانيا معتقدا أحقية الإنسان في التحليل والتحريم، ﴿فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ ‌فَلۡيَكۡفُرۡۚ﴾، فإما أن تكون مسلما وإما أن تكون علمانيا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *