قبل أن نعود للإجابة عن تلك الهلهلات ـ جمع مؤنث سالم لاسم الاستفهام “هل” ـ التي كنا قد ذيلنا بها مفارقين محبورنا السابق، وقد أرجأنا وعدا في غير خُلف على أمل اللقيا على هامش الإجابة عليها قابلا، أودّ في البداية أن أشير إلى حقيقة مفادها أن ثمة محركات ومتحكمات يرجع لها التأثير الحقيقي في تأثيث المشهد السياسي ببلادنا، ومن ثم تحريك دُماه السياسية في دائرة الفشل والانهزامية في تنزيل موعود المشاريع التنموية، وللأسف الشديد فكلها خصال خارجة بالكلية عن المعطى السياسي من حيث التنظير والتأصيل العلمي لمفهوم “ساس، يسوس، سياسة”، يغلب عليها الطابع الشخصي وإن تلبست زعما بدثار المصلحة العامة للشعب والوطن، كغلبة الهوى، وسطوة الاختلالات النفسية من كبر وتحاسد وتباغض، وغلبة العصبيات الحزبية ورجحان المصالح الشخصية، واهتبال فرص المكاسب العاجلة مخافة عدم تكرر التولية.
ولعل الناظر من نافذة استقصاء رصيد التجارب ومخزون المعاملات إلى النموذج البشري السياسي ببلادنا يرى حجم هذه المؤثرات السالفة الذكر ناهيك عن عوامل أخرى فاعلة دأبت أن تعمل من خلف الستار، يُحكى أنها لها وزنها ودورها في تشكيل ذهنية الوكيل المنتخب، ومنه تصورات الوزير المعيّن، منذ أن دخل الدستور المُعدّل حيز السريان والتنفيذ.
ولنأتي لبعض من تلك الاستفهامات التي سبق أن أوردناها في سلسلة ذرعها نيف من معطوفات الهلهلات السابقة الذكر:
فهل كان هذا الرصيد التنظيري هو ما يُترجمه معشر السياسيين على رحى الاختبار الواقعي؟؟؟
وهل استطاع ممثلو الشعوب والنواب عن المصوتين تحقيق الحد الأدنى من آمال الجماهير المُنيبة لصناديق الاقتراع على امتداد فترة الانتداب الحكومي؟؟؟
وهل تجانست أوهام المنتخِبين مع أحلام المنتخَبين؟؟؟
وهل كان مسار تكريس الزعامات المحلية والوطنية سليم الخطوات بريء السمعة؟؟؟
وهل هذه النخب السياسية المتغلبة تصنعها وتكرس صفة التمكين لها نخب من الشعب واعية أم عصبة من الأغمار حانية؟؟؟
وهل كانت إرادة المصوِّتين إرادة حرة توجه الاختيارات في دائرتها وتبنى على رصيد من الإقناع والاقتناع بالبرامج لا بالوجوه والشخصيات، ولا بالرشاوى وموائد الإطعام من جوع والإسكار بخمر تعيب عنصر الرضى بين الناخب والمنتخَب؟؟؟
إن الناظر إلى الرصيد التنظيري الذي يعتبر مرجعية الانطلاق والتأسيس والتوجيه لكل سلوك سياسي وضعي، ليقف أول ما يقف على ملحظ غلبة النموذج الثقافي المعرفي الأجنبي، وهو رصيد له ما له وعليه ما عليه، في ظل ما يعيشه العالم المعاصر في زمن الهيمنة الفكرية الغربية، ولعلنا ننأى في إطار الإجابة عن الخوض في تفاصيل ما لذلك الرصيد المهيمن وما عليه، إذ ليس من المهم أن تهدر وقتا ولو قصيرا في الانكباب على دراسة وتحليل الجانب النظري الذي من المفروض أن يشكل قواعد مرجعية لأي عمل أو سلوك سياسي، تبيّن أن إثمه أكبر من نفعه، والواقع يشهد بالمتكرر المطرد على أن ما تفعله القاعدة ممثلة في الشعب، وما تفعله القمة ممثلة في نخبنا السياسية ذات الانتماء الحزبي لا يمت للسياق السياسي بأية علاقة، فالارتجالية والعبثية ونقض وضوء الوعود لطالما أسقط وأبطل ترانيم صلوات الحملات الانتخابية، ولعل ما كان لا يبصره ولا يستطيع أن يقف على كُنه حقيقته وخرق حيدته في هذا الخصوص إلا النخب المثقفة وأهل البصائر، قد تجلى وجلّته السياسات الجاحدة فتسنت رؤيته لعامة الناس وأغمارهم، فالانحراف أخذ منحنى متصاعدًا في اتجاه تكريس نكوص سياسي لا يزال خرقه آخذا في التوسع ولاية بعد ولاية، حيث كان ولا يزال الداخل المنتصر الغالب يلعن ظهر سياسات الخارج المنهزم المغلوب، وينسف مخطّطاته وبرامجه نسفا.
إنني تعلمت درسا من توالي هذا النشاز مفاده أن الأفكار وحتى وإن أحاطها أصحابها بهالة من القداسة الزائفة يفضحها محك التجارب ومشرح التدافع الاجتماعي، كما تعلّمت أن في الإمكان عندما يوجد شعب تجره موائد السخائم الدسمة، وتستدرجه دريهمات معدودة فيسوقه سدنة الانتخابات سَوْقَ الأنعام نحو تلك الصناديق الزجاجية الشفافة ذات الرصيد الورقي المجانب للحد الأدنى من الشفافية، قلت أن في الإمكان أن يلدغ المواطن من نفس الجحر المرتين بل المرات ذوات العدد، لقد أصبح الوضع المألوف المعهود يحكي واقعا مُرا لا حظّ فيه ل”كومبارس” السياسة في قوائم الترتيب وعوارض الانشغالات والبرامج السياسية متى ما وُجدت، وإلا فالأصل وعد زائف يتبعه تنصل حائف، والواقع يشهد أن العلاقة بين الشعب وممثليه يحكمها المثال السائر:”شبه الشيء منجذب إليه” واللوم حينها منسحب على الجميع لا نفرق في استحقاقه بين أحد من رواد هذه السوق المشبوهة العُمّار.
فشتان شتان بين رصيد تُلامس عوارضه ومعروضاته الفكرية منازل الطوباوية، وبين تطبيق وتمثيل لمحبوره تحكمه ترجمات وتجليات تطبعها الفوضى واعتسافات يحرص من خلالها ويكون همّ السياسي أمرين هما على الحصر المال والشرف لدنياه، وقد علّمني معترك السياسة ومستنقع الانتخابات أن من الإنصاف أن نقر بأنه وكما الجماعة في شكلها المؤسساتي مسئولة عن الفرد، فكذلك الفرد مسئول عن هذه الجماعة في شكلها وتشكيلها المؤسساتي، ومن ثم كان العدوان أو قد يكون من كلا الطرفين، وإنّما يتسنّى للمرء أن يُسائل الفرد جنسه ونوعه على غير العادة ولا المعهود فيرميه بحالة التلبس بالعدوان على نفسه وعلى جماعته متى ما احتكم رائمُ الحق وطالبُه وتلبّس بهالة من التجرد يقوده الخوفُ من الله أولا، ثم بصيرة تشكل هداه وتزيل غبش الرؤيا وغشاوة الإبصار من على درب مشيه بين الناس تصنيفا ومسايسة.
ولست أدري ما تفعل ذئاب جائعة أُرسلت في قطيع باسم الرعاية وتحت ذريعة الحماية والتوجيه، إلا أن يشبعوا شهوة الافتراس ويطردوا جشعًا وتوهمًا شبح الجوع والفقر، ويتمسكوا بكراسي الانتداب والسلطة رائمين الخلود والإخلاد إلى الأرض.
ولا شك أنها استعارة تجد علّة تنزيلها في محاكاة سلوكها المتوحش لما تعرفه الحالة السياسية ببلادنا التي صار يعلوها العبث السياسي ويتجارى بها ـ كما يتجارى داء الكَلَب بصاحبه ـ هوى المجد الشخصي الذي طبع ويطبع مزاجية السياسيين جلهم، إن لم نقل كلهم تورعا وخيفة واحتياطا، وقد أبانت التجارب السياسية أن الشعوب المصوِّتة أخذت “علقة” ونالها ما نالها من الغبن وكانت ضحية على بدء متكرر من تجارب أحزاب اليمين تارة ورفاق اليسار تارة أخرى، ومن الديني الذي انطلق من شعارات طوباوية ليتبرأ منها في جفوة ومعرّة بعد حين، واللاديني الذي رأى في العلمانية وثنا يعبد من دون الله، بل نالها من كل لون وطيف ورمز حزبي نقيض ما تمنته ومنّاها به الكذابون الأشرون…
ولا تزال هذه السيرة الفاقعة السواد، ولسوف تستمر عتمتها الغاشية ما دام الناس يختارون لإدارة شؤونهم ومصالحهم الدنيوية على قواعد العاطفة، ووفق مقتضيات الهوى والطمع والحياء المذموم، والميل كل الميل حيث البيع بالثمن البخس، وحيث الذمم تشرى بقصعة لحم محنوذ ودرهم كنود، وإنّما الأصل أن يكون الحسم والفيصل في هذا التوكيل قائما في غير انفكاك على ميمنة التكليف لا مشأمة التشريف، وعوارض البرامج لا وهم المسارج، وعلى منطق المساءلة لا مغشوش المعاملة، وعلى سبيل المحاسبة لا خمائر ثريد المناسبة.
وهذا مُطرد الحاجة في الأمم، ولكنه في جنسنا ضروري لا لبلوغ الكمال أو نصيفه، وإنّما نرى في ضرورته ونُبرحها منزلة الترقيع ليس إلا، وذلك لطبيعة المسلم ولمألوف حياة العرب عموما، فإن إحكام نواصيهم والتحكم في أعناقهم وأرزاقهم بقوانين وضعية أعادتهم إلى أفظع وأبشع من حياتهم إبان الجاهلية الأولى، إذ اجتمع فيهم من الموبقات والخوارم ما تفرّق في الأمم قبلهم، وارجع هاهنا في مقام البرهان ومجانبة الرجم بالغيب في سيرتهم إلى ما ذكره ابن خلدون في مقدمته مقررا من خلاله أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية أو ولاية أو أثر عظيم من الدين بسبب خلق التوحش المتأصل فيهم … وهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة فقلّما تجتمع أهواؤهم.
ما أصدقه من كلام ! خرج بوْحه من جوف عالم خَبَر جنس العرب ونوعهم، وقد ساعده تعدّد تجاربه في الحياة السياسية، ومناصبه الإدارية ووظيفته في القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة، في مجيء كتاباته وملاحظاته عن التاريخ بالغة الدقة قريبة الشقة، منطبعة بملمحي الموضوعية والعلمية، رحمه الله برحمته الواسعة، وردنا إلى دينه ردا جميلا وقد أفصح الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن شرط العودة ورَهْن الرد فقال:”إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلّط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم”.