ارتفاع غير مسبوق للأسعار.. أين دور الحكومة؟ عبد الصمد إيشن

لا يخلو أي فضاء عمومي للنقاش في الساحة المغربية من موضوع غلاء الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية لدى عموم المواطنين. لأن لهيب الأسعار وصل لأبرز مكون في القفة المغربية وهي الخضر والفواكه قبل اللحوم والأسماك.

وفي كل ندوة صحفية للناطق الرسمي للحكومة تتكرر نفس التبريرات حول أسباب غلاء الأسعار، من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى تقلبات الأسعار دوليا وارتفاع أسعار المواد الأولية وقساوة المناخ. في حين ترد المعارضة بالقول، أن دور الحكومة يظهر في فترات الأزمة مثل حالة المغرب اليوم لا فترات الرخاء.

فالفصل 89 من الدستور المغربي، صريح في تحميل المسؤولية للحكومة في هذا الخصوص: “تمارس الحكومة السلطة التنفيذية. تعمل الحكومة، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين. والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية”.

بل إن المواطنين يطالبون الحكومة بالوفاء بالتزاماتها وتعهداتها أمام المواطنين سواء فيما هو وارد في برنامجها الحكومي أو في البرامج الانتخابية لأحزاب التحالف الحكومي، حيث توعدت المغاربة بالحفاظ على قدرتهم الشرائية ودعمهم اجتماعيا واقتصاديا.

الحكومة بعد أكثر من شهر من التذمر المجتمعي، تحركت على واجهتي الخطاب والإجراءات.

من حيث الخطاب، تمسكت الحكومة بأربع حجج أساسية: ارتفاع أسعار المواد الأولية (البذور والأسمدة) في مناخ دولي مضطرب، وارتفاع أسعار المحروقات في الأسواق الدولية، وما ينتج عنها من ارتفاع أسعار البذور والآليات الزراعية التي يحتاجها الفلاح (ارتفاع كلفة الاستثمار) وحالة الطقس (البرد الشديد) الذي قلل الإنتاج خاصة في شهر يناير وفبراير، وجشع الوسطاء الذين يستغلون قلة الإنتاج للقيام بمضاربات واحتكار يضخم الأسعار.

من جهة الإجراءات، توجهت الحكومة إلى تحريك الجهاز الإداري (الولاة والعمال) لمراقبة الأسعار والتصدي لبعض المضاربات، وقام القطاع الوصي بحوار مع مختلف المهنيين المعنيين للبحث عن توافقات يتم من خلالها الرفع من معاناة المواطنين بخفض الأسعار في هذه المواد، حثت المهنيين على وقف التصدير لبعض المنتوجات لإفريقيا.

المعارضة تسجل على الحكومة تناقضها في البحث عن التبريرات غير المقنعة، وتعتبر أن عمق المشكلة يكمن في تضارب المصالح، وتوجه النقد إلى رئيس الحكومة، وتتهم مشروع «المخطط الأخضر بالفشل» بالتسبب في الأزمة التي يعرفها المغرب، وتنتقد على الحكومة محاولة صرف انتباه الجمهور عن أصل المشكلة، إذ بدل أن تعالجها من أول حلقاتها (التجار الكبار والوزراء المتهمون بتضارب المصالح) تتجه إلى الحلقات الضعيفة (أصحاب البقالة وصغار التجار).

“المزاج الشعبي العام، يحمل روايته الخاصة، فهو يرى أن المشكلة في حكومة، تحمي «الكبار» الذين يحصلون على أرباح خيالية من خلال تصدير منتجاتهم للخارج، وتجوع الشعب المغربي، حين تخيره بين الحرمان وبين شراء منتوجات زراعية أساسية بأثمان ترهق قدرته الشرائية” وفق الباحث المغربي، بلال التليدي.

وطبقا لإحصائيات رسمية تمكن المغرب منذ سنوات، كونه بلدا زراعيا، من تغطية نسبة 100% من احتياجاته من الخضر والفواكه. كما أنه يتمتع بثروة سمكية كبيرة جعلت منه أحد كبار المصدرين الرئيسيين في العالم لسمك “السردين”. وتشير تلك الأرقام إلى أن ثروة الصيد البحري في المغرب تشمل أكثر من 500 نوع من السمك، وهو ما يضع المغرب في المرتبة الأولى إفريقياً والثالثة عشرة عالمياً، من حيث حجم إنتاج الأسماك.

ومع ذلك ظلت أسعار هذه المواد الغذائية والمنتجات الزراعية الأغلى في السوق المغربية مقارنة بأسواق الدول المغاربية الأخرى. حيث عزت الحكومة المغربية هذا الارتفاع لقلة الأمطار في الموسم الماضي وارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة واستمرار موجة البرد، طبقا لتصريحات لرئيس الحكومة عزيز أخنوش. وتسوق الحكومة ضمن تبريراتها تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية على أوكرانيا.

إلا أن جمعيات إنتاج وتصدير الفواكه والخضر تقول إن السبب الرئيسي هو تزايد الطلب الأوروبي والبريطاني على بعض المنتجات الزراعية المغربية مثل الطماطم. ونتيجة ارتفاع صادرات الطماطم المغربية ارتفع سعرها في السوق الداخلية إلى 1.20 دولارا أمريكيا للكيلو الواحد وأصبحت خارج متناول الطبقة الفقيرة وجزء من المتوسطة.

وقبل أن يقفز سعر الطماطم من سعره العادي 0.38 دولار للكيلو، نددت المعارضة في البرلمان باستمرار ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية وطالبت وزير الفلاحة بضمانات الحفاظ على الأمن الغذائي للمغاربة. فرد عليها الوزير محمد صديقي حينها، بالقول إن “الحكومة تبذل قصارى جهدها لخفض أسعار الخضراوات” وذكر الوزير أنه أبرم اتفاقا مع المنتجين لإعطاء أولوية للسوق المحلية بدل التصدير”.

غير أن أسعار الطماطم وغيرها من المنتجات الغذائية من بطاطس وبصل وجزر وزيت زيتون – وهي التي تشكل الغذاء الأساسي للطبقات الاجتماعية الهشة – لم تقف عن حد ما كان يتصوره الوزير. فاستمرت الشركات المصدرة للخضر والفواكه في بيع منتجاتها لأوروبا وإفريقيا ضاربة عرض الحائط بالأمن الغذائي لعموم المغاربة. وأصبح التصدير يشكل أولوية على الاستهلاك الداخلي، في وقت ارتفع فيه الطلب الأوروبي على المنتجات المغربية.

وإضافة إلى توجيه حصة كبيرة من الإنتاج الوطني لأسواق أوروبا، يقول منتقدو الحكومة المغربية إنها تغض الطرف في ارتفاع الأسعار عن المضاربين والسماسرة والوسطاء المنتشرين بالأسواق متجاهلة اختلالات سلسلة التوزيع. ويقول مهنيون في قطاع الزراعة إن المضاربين والمحتكرين في المغرب يستفيدون من ضعف مراقبة الأسعار من طرف الأجهزة الرقابية الحكومة سواء على المستوى المركزي أو المحلي.

وفي غياب نقاش حقيقي في البرلمان أو على وسائل الاعلام الرسمية حول أسباب الوضع المعيشي الصعب الذي تواجهه فئات واسعة من المجتمع المغربي، يحذر المغاربة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أن ضائقة الوضع المعيشي لم تعد تحتمل تبريرات غير مقبولة مثل الجفاف والبرد وغلاء البذور والمحروقات، وأن على الحكومة ورئيسها أن يجدا في أقرب وقت حلا لمعضلة ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *