الفقهاء والشأن العام
يحتل العلماء والفقهاء في الإسلام مكانة لا يستهان بها، وكذلك هم في تاريخ الناس وواقعهم؛ تتعلق بهم قلوب الناس، فإذا تعلقت بهم أفتوا في قضايا الدين والدنيا، واستُفتوا في الخاص والعام، وقصدهم طلبا للفتوى عامة القوم وخاصة خاصتهم. وهكذا يتقلب أهل العلم والفقه، من الراسخين فيهما، بين قول في شؤون الطهارة وآخر في شؤون الدولة، بين نظر في النص وآخر في واقع المستفتي لـ”تحقيق المناط”.
ليس المغرب شذوذا عن هذه المسألة، فقد كانت وما زالت للفقهاء مكانة كبيرة، لا تنحسر في القضايا العقدية والتعبدية والأخلاقية، بل تتعداها إلى قضايا أخرى في الاقتصاد والسياسة والاجتماع. وقد دأب سلاطين المغرب وملوكه على طلب الفتوى من الفقهاء، في مختلف القضايا، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اجتماعي.
في هذا المقال، سنتعرف على نموذج من هذا الطلب، وهو المتعلق بفتاوى العلماء في الشأن العسكري على ضوء معركة إيسلي بين المغرب والاستعمار الفرنسي.
تذكير بـ”إيسلي” وسياقها
تعد معركة إيسلي أولى المعارك التي أظهرت ضعف الدولة المغربية أمام القوى الأجنبية، فكان لها ما بعدها من احتلال واختراق وتهافت أجنبي على بلاد المغرب. وقعت في 14 غشت 1844، على خلفية ما عرف آنذاك بـ”دعم سلطان المغرب لمقاومة الأمير عبد القادر بالجزائر”.
يقول المؤرخ الشيخ أحمد بن خالد الناصري واصفا أسباب المعركة: “ولما كانت سنة 1843، تم استيلاء الفرنسيس على جميع بلاد المغرب الأوسط، وصار الحاج عبد القادر يتنقل في أطرافها، فتاة بالصحراء وتارة ببني يزناسن وتارة بوجدة والريف وغير ذلك، وربما استكثر بمن هو من رعية السلطان أو جنده، فمد الفرنسيس يده إلى إيالة السلطان، فشن الغارة على بني يزناسن وعلى وجدة وأعمالها المرة بعد المرة، ثم اقتحمها في غفلة من أهلها وانتهبها وكثر عيثه في الحدود، فكلّم من جانب السلطان فتعلل بأن الهدنة قد انتقضت بإمداد الحاج عبد القادر بالخيل والسلاح والمال المرة بعد المرة، وبمحاربة جيش السلطان المرابط على الحدود، وبمحاربة بني يزناسن له مع الحاج عبد القادر وغير ذلك مما اعتد به”. (أحمد بن خالد الناصري/ الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى/ الجزء الأخير)
ولما قرر السلطان مواجهة الفرنسيس والتقى الجمعان، كانت النتيجة من جنس السبب؛ فانهزم الجيش المغرب وكان جيشا قليل العدد قديم العدة، أمام الجيش الفرنسي وكان من أحدث جيوش أوروبا آنذاك.
فتاوى فقهاء المغرب في معركة إيسلي
كان لفقهاء المغرب دور بارز قبل معركة “إيسلي”، فقد طلِب منهم الإفتاء في قضية الجزائر من قبل الحاج عبد القادر، فأجابوا بـ”إشارة من السلطان” كما جاء في “الاستقصا” بتعبير “وقد أجاب بإشارة السلطان الفقيه… إلا ما أراد الله”.
ففي عام 1836م، وجه الحاج عبد القادر بن محيي الدين سؤاله إلى علماء فاس، ومما جاء فيه: “ما حكم الله في أنفس وأموال من يداخل الفرنسيس ويبايعهم ويجلب الخيل إليهم؟ وما الحكم في من يتخلف عن المدافعة عن الحريم والأولاد، إذا استنفره نائب الإمام للدفاع والجلاد؟”؛ فكان جواب علماء فاس كما تقدم.
هذا وإن بعض المراجع تؤكد استصدار السلطان نفسه لفتاوى من علماء فاس لتنظيم المقاومة ودعم الحاج عبد القادر ومواجهة الفرنسيس، كما تؤكد مراجع أخرى أن علماء المغرب من تلقاء أنفسهم وقبل أن يطلب منهم كانوا يصدرون الفتاوى دعا لمقاومة الحاج عبد القادر، تقديرا منهم لذلك بحكم البيعة التي تربط هذا الأخير وساكنة تلمسان بالسلطان المولى عبد الرحمان.