عندما شرعت دولة الاحتلال في عدوانها على غزة، انقسمت ردود أفعال المغاربة، بين مستنكر متعاطف مع إخوانه المستضعفين، وبين شامت، وصامت، وآخر مصفق، ونوع مطبل صافق، وجنس مزايد علينا بزعم انتسابه إلى الوطن انتسابا يفوق فيه الكل محبة وصدقا، انتساب جعل هذا الصنف أينما حلّ وارتحل، وحيثما أناخ مطايا موقفه صاح قائلا منبِّها ومُذكِّرا بأن “تازة” أولى عند معشر المغاربة من “غزة”، بينما أطلّ علينا من “جحر الضب” من كتب في إخبات وإنابة لدولة المحتل على حائط حسابه الافتراضي “كلنا إسرائليون” مصبغا علينا جميعا لون صهيونيته المخضب بدماء شهدائنا وضحايانا.
والغريب العجيب أن هؤلاء الشامتين ظلوا في منأى عن أي مساءلة، أو محاسبة ومراقبة، بينما مُنِعت منابر الخطباء وحُجِّر على أفمامهم ومحبور خطبهم أن تشتمل سطورها، على مجرد دعاء أو تضرع، أو استصراخ واستنصار بالله لصالح إخوانهم بل لصالح عضو من أعضاء ذلك الجسد المحمدي المتراص، الذي وصف النبي تفاعل أجزائه بكونها متى ما اشتكى منها عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
لقد صلينا الجُمع ذوات العدد، كنا في كل جمعة، وتلو أخرى ننتظر أن يرفع الخطيب كفيه إلى السماء داعيا في إلحاح من على منبره الخشبي ذي المدارج، يقابله مريدو جمعته فيؤشرون في رضًا واستبشار على عوارض تضرعه ومنظوم دعائه المأثور، صائحين على لسان رجل واحد: “آمين يا رب المستضعفين”، لقد طال الانتظار، وللأسف وعلى غير العادة والمعهود تم حرماننا حتى من هذا التأمين الذي يُعدّ ويعتبر أضعف الإيمان، بَلْهَ يعتبر الحد الأدنى للتكافل وتقاسم الهموم مع الواقعين تحت خط النيران ومرمى قذائف الموت الغادرة هنالك.
وها قد تبيّن لي بما ينطرد معه الشك والريب أن ثقافتنا الدينية ومعها إيمان دواخلنا بقضايانا المصيرية في ظل هذه الأزمة، يتعرضان إلى تدجين لمسايرة واقع الوهن، واستمراء دركات الانهزام والمغلوبية في مناخ يطغى عليه اتجاه مؤسساتي رسمي صار يشرعن لآليات المحاسبة ومن ثم تنزيل لازمها من العقوبات الرادعة والزاجرة لكل من سوّلت له نفسه مجاوزة المسموح به، ضمن جملة من خطوط حمراء لا زلت كما غيري نجهل معيارية وضوابط تسطيرها، والأكيد الذي بتنا نعلمه ونعرف تفاصيله أن صدور أي مخالفة في هذا الخصوص يعدّ تمردا وعصيانا من شأنه أن يكلّف السيد الخطيب مصير نزوله وترجّله من على منبره، مدركا مع كل خطوة يتدرك بها من درج إلى آخر، أن تطليقه قد وقع ببينونة كبرى، فلن يعود إلى منبره أبدا، حتى ولو بوساطة وتدخل محلل ذي وزن له اعتباره داخل الوطن أو خارجه.
إن هذه التوقيفات التي لم تخضع قراراتها للمساطر الإدارية الجاري بها العمل في سياق المحاسبة، كالعمل ابتداء على استدعاء الخطيب المعني بالأمر، وعقد جلسة يتم فيها الاستماع لجنابه، ومن ثم أخذ أقواله وتبريراته ونخلها بمنخلة الشرع لا الهوى، فإحالة ملف التهمة على أنظار مكوِّنات المجالس العلمية لتوكيدها أو إبطالها، وكل ذلك طبعًا يراعي منطق التدرج حيث تتم مراسلته ب”لفت انتباه” أولا، ثم يردفه الإنذار فالتوبيخ قبل اتخاذ الإجراء المناسب في حقه، إن تبيّن أنه فعلا خالف الضوابط المرعية للخطبة، قلت إنّها توقيفات مع تكررها صارت تحظى في الأوساط التديّنية وخاصة الرسمية منها بالكثير من المشروعية العميقة، بل وتثور في واقع مساجد المملكة ومنابرها بين الفينة والأخرى دون إشارات تعطي لباقي المستمرِّين في مهمتهم السامية أن عجلات الطحن ستتوقّف ولو بتاريخ معلّق لا محقّق.
وإن مما يحز في النفس ويجثم على أنفاسها، أن تسجل على تعامل القوى التي تسمِّي وتصف نفسها بالحية من كيانات حقوقية ومؤسسات ذات طابع متخصص، كهيآت ونقابات المحامين ومؤسسة القضاء، ومؤسسة العلماء، والفاعلين المؤثرين في عالم التواصل وشبكاته الاجتماعية، إعراضا ولامبالاة وتغافلا، وعدم التفاعل المطلوب مع قضايا التوقيف هذه، التي نراها طالت وتطال وستبقى تطال خطباء المنابر، ما لم يقف صاحب الحق مطالبا بحقه، سالكا المتسنى من كل السبل والوسائل الرسمية وغير الرسمية بالبلاد، على أن ينخرط الكل في هذا النوع من المدافعة النبيلة.
وفي هذا السياق يذكرني إمساك الخطباء الموقوفين وكف الأئمة وصمتهم وضربهم صفحا عن رفع شكواهم ـ اللهم تلك الخرجات الإعلامية التي يمشي فيها الحوار على وجل واحتياط واستحياء ـ للبث فيها أمام القضاء المغربي، وعلى طاولة محاكم المملكة الإدارية المختصة في مثل هذه الحالات لتنظر في حجم هذا الاعتساف الوصي، وقرارات التوقيف الجائرة التي ما فتئت تطال المرة تلو المرات مسيرة هذا الجناب المحترم أو ذلك الجانب الموقر، والتي غالبا ما يكتفي فيها المسؤول بالإخبار عن طريق البريد المضمون حاملا رسالة توقيف ترد في عجل يقول فيها ويخبر السيد المندوب الوصي أو من ينوب عنه ومن خلاله بالتالي ذكره: “لقد تبيّن أنّكم قمتم بالزج بخطبة الجمعة ليومه كذا من شهره كذا من العام الهجري كذا، الموافق ليومه وشهره كذا من عامه الميلادي كذا في حساسيّات ضيقة”
قلت يُذَكِّرني هذا السكوت القاتل بذلك السؤال الأخير الذي طرحه الكاتب والروائي المفكر الفلسطيني “غسان كنفاني” موقعا به تلك الخاتمة المأساوية التي اختارها لأبطال روايته “رجال في الشمس” تحت طائلة مراد ومقصود يريد أن يوصله من هذا العمل الروائي، حيث خرج من جوف السارد بَوْحُه متسائلا: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟؟؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان…لماذا؟؟؟ وقد آثروا الصمت مفضلين الموت داخل خزان الوقود اختناقا تحت وهج شمس الصحراء المشرقية الحارقة، ولقد أسال النقاد ومحللو الروايات الكثير من الحبر وهم في صدد الإجابة عن هذا السؤال المحيِّر… فلربما كان هذا الصهريج الضيِّق الذي تفوح جنباته برائحة الغاز أو البنزين الخانق، يرمز إلى الأمة الحاضنة التي لم تكتف بإشاحة الوجه وصرف النظر فحسب، وإنّما رأوها كما الجميع صارت تساهم بالنيابة عن العدو في كتم الأنفاس وخنقها لصالح وجوده وتكريسا لقوته وجبروته، وطمس الهوية وقتل ضميرها المشاغب، ووأد صوت الشكوى، ومطاردة أنينه وصراخه الفاضح في جفوة وفجاجة.
لقد تحوّل فجأة حضن الأمة وكنفها الساخن إلى جبانة موحشة يقبع في رمسها رصيد من جثث ضحايانا، وينضح لحدها بتوابيت هلكانا وقتلانا، وقد استوعب القتل كل الأصناف منا، بدءًا بالرضيع ومرورًا بالحرائر والحوامل وانتهاءً عند الشيوخ والعجائز، فلقد كانت الآلة الحربية للظالم الغاشم وما تزال حفية في غير رحمة أو شفقة بكل ما يدب على الأرض أو يتحرك عليها من النملة إلى الحمار، حتى وإن كانت هذه الحركة مجرد مولود خديج، ما فتئ أن هلك بعد استهلاله مباشرة.
إنّها أزمة إنسانية ومأساة بشرية، قد اصطلى بلهيبها كل شيء، فلم تراع حرمات مساجد، ولا بيع، ولا صوامع، ولم ينج من كارثتها حيوان ولا جماد، بل امتدت رائحة لهيبها المحرق المدمِّر إلى حمى كل قطر تجمعه بغزة وفلسطين عروة دين، أو آصرة دم وعروبة، ففي بداية الاعتداء الضاري الذي تلا عملية “طوفان الأقصى” الذي باغثت به المقاومة الإسلامية ودفعت به الصائل المحتل على حين غرة من رجال جهازه الاستخبراتي، الذين كنا قد قرأنا عن سيرتهم الكثير والكثير، قرأنا أنّهم أناس يحيطون بكل شيء علما، فلا تأخذهم سنة ولا يزاور أجفانهم نوم، كل هذه الصفات وزيادة وصلتنا تفاصيلها وعلمنا عنها وتعلمنا من مقررات دروسها وقد أخذناها بسند متصل متواتر، انبرى إعلامنا العربي البئيس للترويج وإذاعة أساطيرها لتقرع آذاننا وتتغشى أبصارنا لسنين عددا، فما نفتأ خائفين وجلين تجد للقوم في صدورنا رهبة وخشية وخوفا مرضيا من قوتهم الأسطورية وسطوتهم خيالية.
ويبقى أن نتساءل عن الضير، وملحظ المخالفة، وموطن المؤاخذة، وملمح التمرد، متى ما تناول الخطيب في مطويّات خطبته أنين المستضعفين، ثم عَطَفَ مذيّلا إيّاها بدعاء وشكوى تُرفع إلى رب السماوات والأرض، يطيل فيها نصب كفيه، والمصلون على كنفتيه ومن أمامه يؤمِّنون في إنابة وإخبات، يزيل عنهم هذا الصدع الملحون ذلك الثقل، ويطفئ نغمه الشجي لهيب سوط اللوم المسلّط على ظهر النفس من جهة ما تعتقده أو تظنه أو حتى تتوهمه من تقصير تجاه طرف مفصول عن أطرافها بالإبانة ومقصلة العدوان، فتتغشاها الرحمات السارة، وتنسكب مع غشيانها العبرات الحارة، وتُهرق من الجوف المريض الأخلاط الضارة، وفي ذلك ما فيه من الترويح على النفس، والتخفيف من ضغط الصورة المأساوية الوافدة على الفؤاد المكلوم، عبر بوابة إبصار ومشاهدة ما تجود به علينا القنوات الإخبارية، من مشاهد دموية قد خلّفها عدوان المحتل الإسرائيلي بمنأى عن أي مساءلة أو محاسبة أو ضبط أو تقريع…
ولابد لإكمال اللوحة هاهنا من أن نشير إلى تلك المفارقة الصارخة التي يحكم تفاصيلها التطفيف، والاختلال السلوكي الذي يسمح للعلماني الحداثي أن يذهب مذهب إصباغنا علنا وإشهارا بعبارته الباغية الداعشية المتطرفة: “كلنا إسرائيليون“، ولا يسمح في المقابل للخطيب المصلح أن يدعو نصرة لإخواننا المستضعفين، ناهيك على أن يتجرأ ويتجاسر فيطفق كاتبا بضابط (هذه بتلك): “كلنا غزاويون”.