ظاهرة النحت في اللغة العربية عبد المجيد بن محمد أيت عبو

إن من المسائل التي تناولها علماء اللغة العربية وفقهها قديما مسألة النحت في اللغة، فقد أفرد لها بعضهم بابا خاصا، وبعضهم أشار إليها عرضا في موطن أو مواطن من كتابه. وظاهرة النحت على وجازة ما قيل فيها قديما، فهي جديرة بالدرس والعناية، ولذلك تنوعت فيها آراء الدارسين المحدثين، وفي هذا المقال مقاربة لأهم ما أثير حولها.

تعريف
النَّحْتُ: النَّشْرُ والقَشْر، والنَّحْتُ: نَحْتُ النَّجَّارِ الخَشَبَ، نَحَت الخشبةَ ونحوَها يَنْحِتُها ويَنْحَتُها نَحْتاً فانْتَحَتَتْ، والنُّحاتة ما نُحِتَ من الخَشَب، ونَحَتَ الجبلَ يَنْحِتُه: قَطَعَه وهو من ذلك، وفي التنزيل: “وتَنْحِتُونَ من الجبال بيوتاً آمنين”، ونَحَتَ السَّفَرُ البعيرَ والإِنسانَ نَقَصه.. والحافرُ النَّحِيتُ الذي ذَهَبَتْ حُروفه.
وقَيَّد بعضُهُمْ النَّحْتَ في الشَّيْءِ الذي فيه صلاَبَةٌ وقُوَّة كالحجَرَ ِوالخَشَبِ ونحوِ ذلك.
من هذا يتبين أن في النحت معنى الاختصار والاختزال والتسوية والتشذيب، وهذا يوافق المعنى الاصطلاحي كما سيأتي.
فالنحت في الاصطلاح، عرفه ابن فارس بقوله: “ومعنى النحت: أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظ”( ). وقال: “العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار”.
ولعل أول من أشار إلى هذه الظاهرة هو الخليل بن أحمد في كتابه العين حيث عرفه بأنه: “أخذ كلمة من كلمتين متعاقبتين، واشتقاق فعل منها”.
علاقة النحت بالاشتقاق
قد انقسم الباحثون في مسألة نسبة النحت إلى الاشتقاق إلى ثلاثة أقسام:
الأول: يرى أن النحت نوع من أنواع الاشتقاق، ففي كل منهما توليد شيء من شيء، وفي كل منهما فرع وأصل، ولا يظهر الفرق بينهما إلا في كون النحت اشتقاق كلمة من كلمتين أو أكثر، وكون الاشتقاق من كلمة واحدة، ولأجل هذا سمي النحت بالاشتقاق الكُبَّار.
الثاني: يرى أن النحت غريب عن نظام اللغة العربية الاشتقاقي، فلا يصح أن يعد ضربا من ضروب الاشتقاق. وحجة من يرى هذا القول أن اللغويين المتقدمين لم يعدوا النحت ضربا من الاشتقاق؛ فقد أهمله ابن جني في بحوثه، ولم يذكره السيوطي في الباب الذي أفرده للاشتقاق، بل أفرد له باب خاصا. والنحت هو نزع كلمة من كلمتين أو أكثر، بينما يتحقق الاشتقاق بنزع كلمة من كلمة أخرى. كما أن الغاية من الاشتقاق استحضار معنى جديد، أما غاية النحت فهي الاختصار كما عبر بذلك ابن فارس.
الثالث: توسط فرأى أن النحت من قبيل الاشتقاق وليس اشتقاقا بالفعل، ومن أنصار هذا القول الشيخ عبد القادر المغربي في كتابه: “الاشتقاق والتعريب”.
أقسام النحت
قسمه المتأخرون بعد استقراء الأمثلة إلى الأقسام التالية:
الأول: النحت الفعلي
بَسْمَلَ: إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
حَمْدَلَ، إذا قال: الحمد لله.
حَسْبَلَ، إذا قال: حسبي الله ونعم الوكيل.
دَمْعَزَ، إذا قال: أدام الله عزك.
سَبْحَلَ، إذا قال: سبحان الله.
طَلْبَقَ، إذا قال: أطال الله بقاءك.
سَمْعَلَ، إذا قال: السلام عليكم.
جَعْفَدَ، إذا قال: جُعِلت فِداك.
الثاني: النحت الاسمي
وهو أن ينحت من كلمتين اسما، مثل:
جُلْمود: من “جمد” و”جلد”.
حُبْقَر: من “حب” و”قر”.
سامرَّاء: من “سُرَّ من رَأَى”.
الثالث: النحت النسبي
وهو أن تنسب شخصا أو شيئا إلى بلدتين أو اسمين على طريق النحت، مثل:
طبرخَزي: نسبة إلى: “طبرستان” و”خوارزم”.
عبشمي: نسبة إلى: “عبد شمس”.
عبدري: نسبة إلى: “عبد الدار”.
عبقسي: نسبة إلى: “عبد القيس”.
الرابع: النحت الوصفي
وهو أن تنحت من كلمتين كلمة واحدة تدل على صفة جامعة لمعنى الكلمتين المنحوت منهما، وقد تكون أشد منهما في المعنى، مثل:
ضِبَطْر: للرجل الشديد، مأخوذ من: “ضبطر” و”ضبر”، وفي ضبر معنى القوة والشدة.
الصِّلدِم: ومعناها: الشديد الحافر، مأخوذ من: “الصلد” و”الصدم”.
صَهْصَلَق: الشديد من الأصوات، منحوت من: “صهل” و”صلق” وكلاهما بمعنى: صَوَّتَ.
الخامس: النحت الحرفي
مثل قول بعض النحويين، إنّ (لكنّ) منحوتة، فقد رأى الفراء أنّ أصلها (لكن أنّ) طرحت الهمزة للتخفيف ونون (لكن) لالتقاء الساكنين، وذهب غيره من الكوفيين إلى أنّ أصلها (لا) و (أن) والكاف زائدة وليست تشبيهيّة، وحذفت الهمزة تخفيفا( ).
السادس: النحت التخفيفي
مثل (بَلْعَنْبَر) في بني العنبر، و(بَلْحَارِث) في بني الحارث، و(بَلْخَزْرَج) في بني الخزرج، وذلك لقرب مخرجي النون واللاّم، فلما لم يمكنهم الإدغام لسكون اللاّم حذفوا .
السابع: تأويلات نحتية
وذلك أن تُؤَول الكلمة على أنها منحوتة من كلمتين أو أكثر، ويرد معناها إلى معنى تلك الكلمات. والغالب أن هذا يلجأ إليه من باب النكتة أو الطرفة، وقد يكون للتعليم وأخذ العبرة، ويرد أكثره عن طريق التكلف والتعسف.
ومن أمثلة ذلك: ما أورده الجاحظ في كتابه البخلاء عن أبي عبد الرحمن الثوري أنه قال لابنه: “.. أي بني: إنما صار تأويل الدرهم: دار الهم، وتأويل الدينار: يدني إلى النار”، قال الجاحظ: “إنما هذا شيء كان يتكلم به عبد الأعلى، إذا قيل له: لم سمي الكلب قليطاً؟ قال: لأنه قلّ ولَطى! وإذا قيل له: لم سمي الكلب سلوقياً؟ قال: لأنه يستل ويلقي! وإذا قيل له: لم سمي العصفور عصفوراً؟ قال: لأنه عَصَى وفر”.
ومن هذا قولهم في (كربلاء): كَرْب وبَلاَء، وفي (فلسفه): فلس وسفه..
الغرض من النحت
– هو تيسير للتعبير بالاختصار والإيجاز؛ وقد تقدم قول ابن فارس: “العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار”. وقال جرجي زيدان: “النحت نَامُوسٌ فاعل على الألفاظ، وغاية ما يفعله فيها إنما هو الاختصار في نطقها تسهيلاً للفظها، واقتصاراً في الوقت بقدر الإمكان”.
– هو وسيلة من وسائل تنمية اللغة وتكثير مفرداتها؛ حيث اشتقاق كلمات حديثة، لمعان حديثة، ليس لها ألفاظ في اللّغة، ولا تفي كلمة من الكلمات المنحوت منها بمعناها.
الاختلاف حول النحت
إن هذه الظاهرة تباينت فيها أراء علماء اللغة قديما وحديثا؛
أما القدماء: فقد اختلفوا في كونه قياسا أو سماعا، فالذين يرونه قياسيا يبيحون للمولدين ممارسته وتطبيقه، أما من يرى أنه سماعي فإنه يمنع من ذلك، لأن ما ورد منحوتا يحفظ ولا يقاس عليه.
فممن قال بقياسيته: ابن فارس حيث قال: “وهذا مذهبنا في أن الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف، فأكثرها منحوت”( ).
قال ابراهيم أنيس: “ومع وفرة ما روي من أمثلة النحتن تحرج معظم اللغويين في شأنه، واعتبروه من السماع فلم يبيحوا لنا نحن المولدين أن ننهج نهجه.. ومع هذا فقد اعتبره ابن فارس قياسيا”. ومن الباحثين من رأى أن عبارة ابن فارس لا تفيد القياسية.
وممن قال بسماعيته: أبو حيان في شرحه لتسهيل ابن مالك حيث قال: “وهذا الحكم لا يطرد، إنما يقال منه ما قالته العرب”.
أما المحدثون: فقد دار الخلاف بينهم في منعه وإباحته، فمن الداعين إلى إباحته واعتباره جزء من الاشتقاق: محمود شكري الألوسي، فالنحت عنده من الاشتقاق الأكبر الذي يعتبره قياسا مطردا. ومن الداعين إلى الإباحة ساطع الحصري الذي يرى ضرورة استعمال النحت لاستيعاب المستجدات العلمية، يقول: “ونحن نعتقد بأننا وصلنا إلى دور اشتدت فيه حاجتنا إلى الاستفادة من النحت اشتدادا كبيرا”.
أما المانعون من ذلك فهم وإن اتفقوا على ضرورة نمو اللغة وتطورها لتفي بالحاجات المستجدة؛ فإنهم يخشون أن يكون ذلك التطور والنمو عن طريق النحت تطورا مُشَوَّهاً. يقول محمد المبارك: “النحت طريقة كانت مستعملة في عصور العربية القديمة، ولكن العربية فيما بعد أهملت هذه الطريقة في توليد الألفاظ الجديدة وسلكت طريقة الاشتقاق”. ويرفض أنستاس الرملي ظاهرة النحت لأن علماء العصر العباسي لم ينحتوا رغم حاجتهم إلى الوضع، لما عرف من نهضة علمية، ولأن القدماء لم ينحتوا إلا الألفاظ التي يكثر تردادها رغبة في الاختصار.
هذا وللنحت عند المحدثين مفاهيم وطرائق أخرى، لعلنا نتاول شيئا من ذلك في مقال آخر. وقد تناول أستاذنا الدكتور عبد الحي العباس شيئا من ذلك في مقال له بعنوان: “النحت في العربية المعاصرة”، وهو منشور في الشبكة العنكبوتية، فلينظر فإنه مهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *