التخلف العقدي في ديار المسلمين الأسباب والمظاهر والحلول عبد العزيز وصفي*

بعض الحلول المقترحة للخروج من حالة التخلف العقدي:

يجد الباحث في هذا الموضوع الشائك أن هناك حلولا كثيرة تناولها الباحثون والمفكّرون قديماً وحديثاً بالوصف والتحليل والمناقشة والبيان، وكلها تصب في بوتقة واحدة وهي إصلاح الفرد والمجتمع من أجل إعادة الأمة إلى مجدها وحضارتها الغابرة. وفي هذا المحور من البحث أركز في عجالة من أمري على علاجين لأزمتنا الأخلاقية وانتكاستنا الإيمانية، وقد رأينا أن نبينهما في الآتي:

1- الحاجة إلى التربية الإسلامية والمبادئ الأخلاقية:

لا يتجادل اثنان كون التربية الإسلامية علاج كثير من أزماتنا اليوم وعلى رأسها: الأزمة الأخلاقية أو العقدية؛ ذلك أن الحاجة اليوم إلى المعايير والقيم الأخلاقية قد أصبحت ملحة وضرورية أكثر مما كانت عليه في العصور السابقة، ليس في مجتمعنا فحسب بل للعالم أجمع.

وقد أدرك بعض العقلاء بنفاذ بصيرة، بعد التأمل في تجربة الغرب المريرة، أنها لم تفصل على حجم الإنسان ولم تراع أشواقه وتطلعاته، إنها انطلقت منذ بدايتها انطلاقة خاطئة، زجت بها في ظلمات، بعضها فوق بعض، فكانت النتيجة هي الحيرة والتمزق، والارتداد إلى أسفل سافلين، ليصبح الإنسان مجردًا من إنسانيته، ومن التكريم الذي أسبغه الله تعالى عليه([i]).

والمتأمل لواقع امتنا الإسلامية يدرك حاجتها الماسة إلى من يرد عليها إيمانها وثقتها بماضيها ورجاءها في مستقبلها، وما أحوجها لمن يرد عليها إيمانها بهذا الدين الذي تحمل اسمه وتجهل كنهه، وتأخذه بالوراثة أكثر مما تتخذه بالمعرفة.

فرسالة الإسلام هي الدعوة إلى الله ورسوله والإيمان باليوم الآخر. وجائزته هي الخروج من الظلمات الى النور، ومن عبادة الناس الى عبادة رب الناس وحده والخروج من ضيق الدنيا الى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وقد ظهر فضل هذه الرسالة وسهل فهمها في هذا العصر أكثر من كل عصر، فقد افتضحت الجاهلية، وبدت سوأتها للناس، واشتد تذمر الناس منها، فهي الرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تنقذ البشرية من الانهيار والانحلال([ii]).

2- تحصين الفرد خلقياً ودينيًا وثقافيًا([iii]):

التحصين عملية بنائية يقيم بها الفرد أسواراً تحيط به وهو قابع في مكان مرتفع، فيصبح محصّناً، وكما يكون تحصين الفرد في مرحلة الرضاعة ضد أمراض وبيلة، كشلل الأطفال والخناق والسل وغير ذلك من الأمراض الخطيرة التي تنغص عليه حياته، وقد تؤدي به الى النهاية. كما أن التحصين إرادي فهو كذلك ذاتي؛ إذ إنه عملية شعورية يؤديها الفرد بنفسه لنفسة؛ لأنه يريد المحافظة عليها والارتقاء بها وتكريمها، لكي تكون عزيزة مكرّمة لدى غيره فهي على هذا النحو عملية إيجابية بنائية هادفة إلى خير الفرد والمجتمع.

فالنفس الإنسانية محتاجة إلى التحصين ضد الانسياق غير المنضبط وراء نزعاتها الفطرية العامة، وعلى رأسها شهوة الجنس وشهوة لذائذ الطعام والشراب وشهوة  المال للحصول على ذلك كله بإفراط شديد.

فالتحصين الخلقي يتم بتقوية النفس بمكارم الأخلاق المبثوثة في الكتاب والسنة التي تحضُّ على التخلق بالأخلاق الحميدة والتي تحدد سلوك الأفراد وترشدهم إلى إصلاح أنفسهم لكي يسعدوا في الدنيا وفي الآخرة.

أما التحصين الديني فهو يُعنى بتزكية النفس بما جاء في القران الكريم من حكم ومواعظ وأوامر ونواه في العلم بها نجاة الإنسان من المهالك التي تقود إليها النفس الأمارة بالسوء وتزيين الشيطان للإنسان سوء عمله بالوسوسة المستمرة في صدره، وبخاصة في المواقف المفعمة بالمغريات، وكذلك تزكيتها بما ورد في السنة المطهرة من تعاليم وتوجيهات في العمل بها صلاح الإنسان وهدايته.

أما التحصين الثقافي فيتم من خلال تهذيب النفس بتنمية معارف الإنسان بخبرات البشر الماضية والحاضرة وتجاربهم التي مروا بها وما حدث لهم من أحداث وما وقع لهم من وقائع وذلك بقراءة كتب التاريخ وسير العظماء، وكذلك من ارتكبوا جرائم وانحرفوا عن سواء السبيل ففيها عبر ومواعظ.

فالمؤسسات التربوية والتوعوية المختلفة تلعب دورا حيوياً في هذا الجانب بتحصين الفرد من خلال تفاعله الواعي مع الظروف والمواقف الاجتماعية ليتبصر الأمور ويحكم عقله ويتخذ قراره، كما تقوم المؤسسات التربوية بطرح قضايا المجتمع ومشكلاته وتوجههم وإرشادهم نحوها، ليتحقق للفرد في النهاية تنمية نوازع الخير في نفسه وتربيته على الترفع عن الدنايا والارتقاء بالنفس إلى مراتب المتقين الذين يخشون ربهم في السر والعلن.

 خاتمة:

في الحقيقة إن المتتبع لهذا الموضوع يجده يطول شرحه وتتشعّب قضاياه وجوانبه، فتكفينا هذه إشارات مقتضبة جداً؛ لأن الأمر يحتاج إلى تفصيل وبيان للوقوف على كل العوامل والأسباب والنتائج والحلول، وهو ما لا يسعنا المقام بتناوله جملة وتفصيلاً، وعلى الأقل أننا عملنا بقاعدة: “ما لا يُـدرك كله فلا يُـترك جله”.

ومن هنا فإننا ندرك جميعاً مدى الخطر المحيط بالأمة، فأعداؤها من اليهود والنصارى وتلامذتهم من الملحدين والعلمانيين والمشككين في الداخل والخارج يتربصون بها الدوائر بالليل والنهار ولا يغمض لهم طرف، ويتحينون الفرص لمضاعفة آلام الأمة وتعميق جراحها، فكل مرحلة زمنية تمارس فيها حرب مختلفة تصب كلها في تفريق الأمة وتمييع هويتها، فبعد هذه الألوان من الحروب أطل علينا القرن الجديد بأسلوب مختلف من الحرب، لكنه يندرج تحت لواء الغزو الثقافي لأمتنا ألا وهو ستار العولمة والقرية الصغيرة الذي أدى إلى خلط الهويات والانتماءات وتبدلت الأولويات داخل المجتمع المسلم، وكأننا نعيش غربة في بيئتنا وأوطاننا.

فماذا عسانا أن نفعل يا تُـرى؟

لقد ألقي على عاتق كل راع أمانة عظيمة ومسئولية جسمية عن نفسه وعن من يعول، ولو أن كل فرد منا قام بمسئولياته على الوجه الشرعي الصحيح لعاشت الأمة في سعة من رزقها ورغد في عيشها وسعادة من أمرها.

إن الالتزام بوسائل المعالجة كما ذكرت آنفا يكفل بعد توفيق الله سبحانه وتعالى إعادة المجتمع الى فطرته السليمة النقية الخالية من البدع والشبهات والمخالفات والانحرافات والشهوات.

وكما يشير الحق سبحانه وتعالى بأن هلاك المجتمع مقرون بانتشار الفساد فيه؟ فهل نعي هذه الحقيقة ونستدرك الفسحة المتاحة قبل أن يَـعُـمَّنا الله بعقابه وخزيه؟

قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41).

وقال سبحانه: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة: 286.

“ربنا لا تؤاخذنا بما فعلنا.. ولا بما فعل السفهاء منا.. ربنا إنك غفور رحيم”.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

———————————————————–

* مسؤول التواصل والبحث العلمي بالمركز المغربي للدراسات والتربية في المذهب المالكي، ومنسق أعماله العلمية والتكوينية.
[i] – شفيق، منير، الإسلام في معركة الحضارة، ص 178.
[i]– بن مسعود، عبد المجيد، القيم الإسلامية المعاصرة والمجتمع المعاصر، كتاب الأمة – قطر، العدد (67)، 1419هـ 1999م، ص 141
[ii] الندوي، أبو الحسن، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثامنة،1984 ص 15.
[iii] الساعاتي، حسن، تحصين المواطن نفسه خلقيا ودينيا وثقافيا لمواجهة الجريمة والانحراف والوقاية منهما، بحث في إصدار دور المواطن في الوقاية من الجريمة والانحراف، دار النشر بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1993م، ص ص: 66-87.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *