من أعظم ما ابتليت به أمة الإسلام جرأة بعض الناس على الفتيا والاجتهاد في دين الله بغير علم ولا صلاحية لهذا المقام العظيم؛ ذلك أن المفتي قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومُبَلِّغ عن الله تعالى.
يقول ابن القيم رحمه الله: (ولمَّا كان التَّبليغ عن الله سبحانه يَعتمد على العِلم بما يُبَلِّغ، والصِّدق فيه، لَم تَصلُح مرتبة التَّبليغ بالرِّواية والفتْيا إلَّا لِمَن اتَّصف بالعِلم والصِّدْق؛ فيكون عالمًا بما يبلّغ صادقًا فيه، ويكُون مع ذلك حسَن الطَّريقة، مرضيَّ السيرة، عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابهَ السِّرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان مَنْصِبُ التَّوقيع عن الملوك بالمحلِّ الَّذي لا يُنكَر فضْلُه، ولا يُجهل قدْرُه، وهو مِن أعْلى المراتب السَّنِيَّات، فكيْف بمنصِب التَّوقيع عن ربِّ الأرض والسماوات؟! فحقيق بِمَن أُقيم في هذا المنصِب أنْ يُعِدَّ له عُدَّتَه، وأنْ يَتَأَهَّب له أُهْبَتَه، وأن يَعلم قدْر المقام الَّذي أقيمَ فيه، ولا يكون في صدْرِه حرجٌ مِن قول الحقِّ والصَّدع به؛ فإنَّ الله ناصِرُه وهاديه، وكيف هو المنصِبُ الَّذي تولَّاه بنفسِه ربُّ الأرباب؛ فقال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 127]، وكفى بما تولَّاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176]، وليعلم المفتي عمَّن ينوب في فتواه، وليُوقن أنَّه مسؤول غدًا، وموقوفٌ بين يَدَيِ الله).
ومما يدل على خطورة القول على الله تعالى بغير علم ولا أهلية لذلك قول الله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الأنعام: 144)، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إِن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإِذا لم يُبِق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جُهَّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا”متفق عليه.