توحيد الله عز وجل أعظم المقامات، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لأمته فضْل الله عليهم بهذا التوحيد، وما أعدَّ لأهله مِن الأجر العظيم والثواب الجزيل.. وشهادة التوحيد “لا إله إلا الله” إقرارٌ للهِ سُبحانه باستِحقاق العبادة وحْدَه لا شريك له، ونَفْي الشركاء معه، وهذه الشهادة هي التي تُنجِّي صاحبها مِن النَّارِ ومِن عذاب يوم القيامة..
والشّرك بالله عز وجل أخطرَ الأمور، وهو الذنب الأكبر الذي لا يُغْفَر، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء:48)، قال ابن كثير: “{لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} أي: مِنَ الذنوب {لِمَنْ يَشَاءُ} أي: مِنْ عباده”..
وعن جابر رضي الله عنه قال: (أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: مَنْ مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَنْ مات يشرك بالله شيئًا دخل النار) رواه مسلم.
ولما كان الشرك بالله بهذه الخطورة حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته منه، وسدَّ ذرائعه، وأغلق أبوابه، ونهى عن كل ما يؤدي إليه مِنْ قول أو فعل، حماية لمقام وجناب التوحيد، ونصحًا للأُمَّة، وشفقة عليها..
ومواقف وأحاديث حماية النبي صلى الله عليه وسلم للتوحيد كثيرة، منها ما رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حُنَيْن مَرَّ بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط، يُعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} (الأعراف:138)، والذي نفسي بيده، لترْكَبُنَّ سُنة مَنْ كان قبلكم .
وفي رواية لأحمد ـ في المُسند ـ عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: (خرَجنا معَ رسولِ اللَّهِ إلى حُنينٍ، ونحن حَديثو عَهْدٍ بِكُفر ـ وكانوا أسلَموا يومَ الفتح ـ قال: فمَررنا بشجَرةٍ فقُلنا: يا رسول اللَّه اجعَلْ لنا ذات أنواطٍ كما لَهُم ذات أنواط، وَكانَ للكفَّارِ سِدرةٌ يعكُفون حولها ويعلِّقون بِها أسلحتَهم، يدعونها ذاتَ أنواطٍ، فلمَّا قلنا ذلك للنبي قال: اللَّهُ أَكْبرُ وقلتُمْ والذي نَفسي بيدِه كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { قَالُوا يَا موسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}(الأعراف:138)، لتركبُنَّ سُننَ مَن كانَ قبلَكُم)..
(حُنَيْن): وادٍ يَقع شَرْقي مكة بينه وبينها بضعة عشر مِيلًا، قاتل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيلة هَوَازِن. (حدثاء عهد بكفر): قريبو عهد بكُفْر، جديدون في الإسلام. (سدرة): شَجَرَة النَّبْق. (يعكفون عندها): يُقِيمون عندها، ويُعَظِّمونها، ويَتَبَرَّكون بها. (وينوطون بها أسلحتهم): يُعَلِّقُونها عليها للبركة. (يقال لها ذات أنواط): هي شَجَرَةٌ عظيمةٌ كان المشركون يأتونها كلَّ سَنَة يُعَظِّمُونها، ويُعَلِّقُون بها أسلحتهم، ويَذْبَحُون عندَها، وكان مكانها قريبًا من مَكَّةَ، وسُمِّيَتْ ذات أنواط لكثرةِ ما كان يُعَلَّقُ بها مِن السِّلاح لأجل التَّبَرُّك. (السنن): الطُّرُق، والمعنى: سَلَكْتُم كما سَلَكَ مَن قَبْلَكم الطُّرُقَ المذمومة. (والذي نفسي بيده): المراد أن نفسه بيد الله، والمراد بهذا الحلف بالله تعالى. (لترْكَبُنَّ سُنة مَنْ كان قبلكم): تَفعَلون مِثلَما فعَل مَن كان قَبلَكم مِن المشرِكين واليهود والنصارى، وهو خبر معناه الذَّمُّ والتحذير مِن هذا الفعل..
قال الهروي في “مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح”: “(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين) أي: بعد فتح مكة ومعه بعض مَن دخل في الإسلام حديثا، ولم يتعلم مِن أدلة الأحكام آية ولا حديثا، (مرّ بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم) أي: ويعكفون حولها، (يقال لها ذات أنواط) جمع نوط، وهو مصدر ناطه أي علقه، (فقالوا) أي: بعضهم ممن لم يكمل له مرتبة التوحيد ولم يطلع على حقيقة التفريد (يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) أي: شجرة نحن أيضا نعلق عليها أسلحتنا.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله!) تنزيها وتعجبا (هذا) أي: هذا القول منكم (كما قال قوم مُوسَى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} (الأعراف:138).. (والذي نفسي بيده لترْكَبُنّ) بضم الموحدة أي: لتذهبن أنتم أيها الأمة (سُنن مَن كان قبلكم) بضم السين أي: طرقهم ومناهجهم وسبل أفعالهم، وفي نسخة بفتحها أي: على مِنوالهم، وطِبْق حالهم، وشَبَه قالِهم”..