استعمال الزوج التعنيف اللفظي أو الجسدي لغرض الجماع:
يراد بالتعنيف اللفظي كل خطاب يتضمن عبارات الإهانات والشتائم ومعاني التحقير، وقد نهى الإسلام عن هذا الأسلوب المشين نهيا قاطعا حتى ولو صدر من الزوج اتجاه زوجته أو العكس، ففي صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».
فعبارة “كل مسلم” هي من صيغ العموم التي تشمل الكبير والصغير والرجل والمرأة والغني والفقير والزوج والزوجة، وقد جعل الشرع من أقدم على تحقير المسلم (ولفظ المسلم هنا ليس قيدا وإنما خرج مخرج الغالب من حيث كثرة المعاملة) أو تعنيفه باللفظ والكلام المشين واقعا في شرور جسيمة وكافية أن تورده الآثام التي يستحق عليها العقاب. وإذا كان هذا جزاء من سلك أسلوب التعنيف اللفظي مع مطلق الناس، فإنه يتأكد تحريمه ويقوى وعيده أكثر فأكثر لمن عنف أقرب الناس إليه، ومنهم الزوجة؛ لأن الزوج وقع فيما نهى عنه الشرع هذا أولا، وثانيا لأنه خالف امتثال أمر رباني بالمعاشرة بالمعروف كما جاء في القرآن {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19]، وثالثا لأنه نقض الميثاق الغليظ الذي أخذه الله عليه؛ {وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّیثَـٰقًا غَلِیظࣰا﴾ [النساء:21]، وأخيرا، لأنه خالف وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».
وإذا تقرر أن التعنيف اللفظي من طرف الزوج لزوجته منهي عنه شرعا، فإن قياس الأولى يقتضي منع ما هو أعلى منه كالتعنيف الجسدي وإلحاق الضرر بجسدها مثلا، فالضرب أشد من السب والشتم ولا يقارن بهما، والنهي عن الضرب يتوجه إليه من باب أولى من التعنيف اللفظي.
لكن، قد يعكر على هذا المعنى أو القياس الأولى ظاهرُ آية {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]. ذلك، أن الآية أفادت بظاهرها أن للزوج ضرب زوجته في حالة معينة، وهي حالة النشوز. وأصل النشوز في اللغة هو الارتفاع والعلو، وفي الاصطلاح الفقهي هو معصية الزوجة لزوجها فيما يلزمها من طاعته، فالمرأة إذا ارتفعت عن طاعة زوجها ورفضت الخضوع إلى حقوقه المشروعة، أمر الشارع الرجل أن يسلك مع زوجته هذا الأسلوب التأديبي بغية الإصلاح ودفع الشقاق. فمثلا إذا كانت الزوجة تبيت خارج بيت الزوجية دون إذن زوجها فهذا نوع من النشوز، فشرع الله منهاجا ربانيا وطريقا يسلكه الزوج المشتكي بغية الإصلاح، وأول مراحل هذا الطريق هو الموعظة الحسنة، والتي في الغالب تأتي بنتائج طيبة إذا كانت مؤثرة ووجدت محلا وقابلية.
فإن لم يتحقق بها المقصود انتقل الزوج إلى هجر الفراش وابتعد جسدا وشعورا عن مكان المضاجعة؛ وهجر الفراش وسيلة عملية تخاطب إيمان الزوجة وضميرها، وذات أثر شديد عليها إن كانت فعلا تحب زوجها وتقدره ولا تريد أن تتطلق منه.
ومن المناسب جدا -وأنا في هذا المقام- أن أشير إلى أن نشوز المرأة المذكور في الآية الكريمة يغلب عليه أنه لا يشمل امتناع الزوجة عن حق الفراش أو الوقاع، وإلا لكان بعيدا عن محاسن الشريعة التي بهرت العقول أن تطلب تأديب الزوجة الناشز بهجر الفراش وفي الوقت نفسه يراد إيجاده وتستجيب الزوجة لحق الفراش، فهذا بعيد جدا.
فإن لم يتحقق المقصود بهجر الفراش وبقي النشوز من الزوجة، انتقل الزوج إلى وسيلة أخرى وهي الضرب بلغة القرآن، وقد بينت السنة النبوية الضوابط الشرعية لتطبيق هذه الوسيلة، وزادها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وضوحا حينما سئل ما الضرب غير المبرح؟ فقال بالسواك ونحوه. وعليه، فليس من الإنصاف أن نشبه هذه الوسيلة بما يصطلح عليه اليوم بالتعنيف الجسدي أو ما يمارسه بعض الملاكمين من الأزواج، ولا مجال للمقارنة بين الأمرين باعثا وشكلا وممارسة وهدفا.
والمتأمل لحقيقة هذه الوسيلة بإنصاف وتجرد للحق سيجد أنها لا تفيد ضرب الإذاية الذي يلحق الأذى والضرر بالمرأة، بقدر ما تقوم مقام إخبار من الزوج لزوجته بلسان الحال على أنه لم يبق له من الحلول إذا لم تعد الزوجة إلى رشدها، وترتدع عن ظلهما وعلوها وغيها سوى الطلاق، الذي هو أبغض الحلال إلى الله تعالى، ومصيبة من المصائب التي تحل بالمرأة وبأسرتها بالدرجة الأولى والمجتمع كما هو مشاهد ومعلوم .
وقد تمدني معاودة التأمل لوسيلة الضرب المشروع بالشكل الذي سبق بيانه أن أؤكد مرة أخرى ما سبق الإشارة إليه أن النشوز المذكور في الآية الكريمة لا يشمل رفض الزوجة حق الفراش والجماع، لأن وسيلة الضرب المشروع فضلا عن استعمال العنف بشقيه اللفظي أو الجسدي ينافي تماما مع ما يتطلبه الجماع من مقدمات جاء الشرع بالترغيب بها، كما جاء في الأثر ـ وإن كان ضعيف السند إلا أن معناه صحيح: “لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة ليكن بينهما رسول. قيل: وما الرسول؟ فقيل: القبلة والكلام”، وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِى آخِرِ الْيَوْمِ»، فقوله «ثم يجامعها» فيه دليل على أن علة النهي لهذا السلوك المشين أنه لا يستحسنه العقلاء في مجرى العادات، وعبر الشرع بالنفي (لاَ يَجْلِدُ) الذي هو أقوى في إفادة النهي وأجدر في التنفير من هذا السلوك المشين. وقد بين بعض أهل العلم وجه ذلك، فقال العلامة الأمير الصنعاني في كتابه سبل السلام عند شرحه للحديث: “لأن الجماع والمضاجعة إنما تليق مع ميل نفس والرغبة في العشرة، والمجلود غالبا ينفر عمن جلده، بخلاف التأديب المستحسن فأنه لا ينفر الطباع، ولاريب أن عدم الضرب والاغتفار والسماحة أشرف من ذلك كما هو أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم”اهـ.
وإذا كان لا يستحسن عند العقلاء والحكماء ضرب الزوجة بسبب نشوز عام لا يتعلق برفضها للجماع، فكيف يكون مرغوبا فيه ومأذونا بسبب نشوز يتعلق بامتناع المرأة عن الجماع!؟؟
وليس هذا فحسب، بل ويجعل الضرب وسيلة لإصلاح الزوجة في نشوز الجماع والعلاقة الحميمية، فالشرع أعقل من كل عاقل وأحكم من كل حكيم.
كان الغرض من محاولة استنطاق الآية الكريمة أمرين:
الأول منهما: بيان أن التعنيف الجسدي الذي هو إلحاق الضرر بالزوجة والانتقام منها لا وجه الشبه بينه وبين الضرب الوارد في الآية وبينته السنة، والذي لا يعدو أن يكون وسيلة تأديب يتوقف القيام بها واللجوء إليها على مدى حصول المقصد من تشريعها وهو ودفع النشوز، وقد نص الفقهاء المالكية ومنهم الحطاب في مواهبه أنه إذا غلب على ظن الزوج أن ضرب زوجته لا يفيد لم يجز له ضربها. ولا يخفى على الجميع أن أعراف المجتمع قد تغيرت تغيرا كبيرا مما أثر على صلاحية هذه الوسيلة ولم تعد مستساغة ومفيدة، فرُبّ وسيلة كانت في الصدر الأول تحقق الهدف من تشريعها، أصبحت اليوم يؤدي استعمالها إلى عكس ما كان يراد منها، والأحكام تتعلق بالمقاصد لا بالوسائل، وتوجد من الأمثلة في سنة الخلفاء الراشدين التي أمرنا باتباعها ما يقرر هذا الأصل الأصيل دون أي شك وارتياب. ولهذا، يمكن الجزم بكل اطمئنان أن الضرب غير المبرح للزوجات لم يعد مفيدا وجائزا اليوم.
والثاني: بيان أن النشوز الذي ورد في الآية الكريمة لا يشمل جميع أنواعه؛ لأنه ذكر بلفظ الفعل (نُشُوزَهُنَّ)، والفعل ليس فيه عموم، كما قال الناظم:
ثم العموم أبطلت دعواه *** في الفعل بل وما جرى مجراه
ولهذا، كان الاكتفاء بلفظ (نُشُوزَهُنَّ) في إرادة العموم. الذي منه امتناع الزوجة من حق الفراش غير ظاهر، وقد دل فيما سبق أن إصلاح نشوز المرأة المتعلق بحق الفراش بالضرب ـ وإن كان غير مبرح ـ لا يستقيم، ونتائجه غالبا ستكون عكس المطلوب، فالمناسب لفظا ومعنى أن تستثنى هذه الصورة من نشوز المرأة على أنها غير مرادة للشارع.
وبناء عليه، فإنه لو امتنعت المرأة من تمكين نفسها لزوجها دون عذر شرعي، ورفضت أداء حقه الذي عليها في هذا الجانب، فلا يجوز للرجل أن يرغم زوجته على الممارسة الجنسية معه ويكرهها على ذلك مستعملا التعنيف اللفظي أو الجسدي، فإن الشرع لم يأذن له في ذلك، وله بعد وعظ زوجته ونصحها وعدم استجابتها له ورجوعها إلى الصواب والوفاء بالعهد الذي بينهما أن يمنع الزوج عليها النفقة فهي ناشز، ويرفع أمرها للقاضي أو يطلقها.
وإذا قابل الزوج رفض الزوجة وامتناعها من حق الفراش دون عذر شرعي بالقوة والعنف ونال منها ما نال فلن يكون أبدا مغتصبا في نظر الشرع والمنطق؛ لأنه أخذ حقه الذي له عليها، ولكنه أساء إساءة كبيرة إذ استعمل وسيلة غير شرعية في المطالبة بحقه، وليس في ديننا أن الغاية الشرعية تبرر الوسيلة مطلقا، فلابد أن تكون الغاية شرعية والوسيلة كذلك شرعية، فهو وإن لم يكن مغتصبا فيما أخذ فإنه ظالم كيف أخذ، وقابل سيئة الزوجة بسيئة أعظم منها، ولابد أن ينال الظالم جزاءه الذي يستحق، ولا نجد أفضل من التعبير المستوحى من القرآن في وصف ما قام به ، فهناك المعاشرة بالمعروف ويقابلها المعاشرة بغير المعروف أو الإساءة في المعاشرة الزوجية.
أما إذا رغب الزوج في ممارسة جنسية محرمة شرعا والتي أصبحت تعرف بالشذوذ الجنسي وأبت عليه زوجته وامتنعت، وقابل الزوج هذا الإباء والامتناع بالتعنيف اللفظي أو الجسدي وقهرها على فعل ذلك، فإنه سيكون ظالما لزوجته كما سبق بيانه، وكذلك سيكون منتهكا لحمى الله و معتديا على حدوده لأنه وقع في الحرام.
ولا عبرة -حقيقة- برضا الزوجة في هذه الصورة، فحتى لو رضيت بتلك الممارسة دون عنف فإن ذلك لا يجوز، فالحق فيه لله سبحانه وتعالى، ولهذا أفتى العلماء بالتفريق بين الزوجين إذا ثبت أنهما يمارسان الجنس ممارسة محرمة شرعا.
ولهذا، كان مصطلح “الاغتصاب الزوجي” على ما فيه من مغالطة سبق كشفها، يضم كذلك سطوا على حق الشرع، وهذا لا يجوز. ولا غرابة في أن يتبنى المجتمع الغربي هذا المصطلح ومقتضياته، فأن المرجعية فيه للإنسان والسيادة له، والإنسان حر في جسده مطلقا كما يزعمون، أما لدى المسلمين، فإن المرجعية فيه لله ولشرعه. فالواجب على المسلمين وخصوصا أهل العلم والقضاء أن يتحروا عند توظيف المصطلحات ما يحقق المقصود دون التباس أو اعتداء.