لو شاء الله أن يُنطق أمواج البحر الأبيض المتوسط لحكت سيرته مع المسلمين زمن التمكين، وإبان الوهن وزمن المغلوبية، يوم مشت سفن الأجداد ذات الألواح والدسر تحمل على متنها أعلاما شجعان وأبطالا أشاوس فاتحين أقاموا دنيا الغرب وعمروها، وبنوا نهضتها، وأناروا شوارعها، وأخرجوها من غسق الكهنوت الكنسي المتسلط إلى أنوار الهدى ومنارات الإسلام، ولك أن تسرِّح طرفك حيث شئت لترى آثار الحضارة الإسلامية في العمران والطب والفلك والرياضيات وشتى ميادين خدمة الإنسان والبيئة والحيوان، وتلك بلاد الأندلس شاهدة على ذلك الماضي المشرق التليد…ناهيك عن مقاومة وجهاد الأجداد المغاربة الأحرار، وَجُودِهم بالمال والنفس والولد حتى أخرجوا ذلك المستعمر الغائر الغاشم من ثغور وجغرافية الوطن مهزوما مدحورا، وضربوا في سبيل هذا الإخراج أروع البطولات، ورسموا على جبال الأطلس وسهول الشاوية وعبدة وجبال الريف و… أسمى معاني المروءة، وأرقى صور البطولة، جهاد وصبر ورباط ومرابطة…
ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا المغنم وانخرطوا عن يد صاغرة في أداء رسوم المغرم لنفس العدو ومستعمر الأمس القريب، إن تباريح أمواج المتوسط لتحكي مأساة ضمها لرفاة غرقانا وجثث الهلكى من فلذات أكبادنا، قد ابتلعتها مع قوارب الموت لجة هذا البحر، قوارب يركبها الهاربون من لهيب الأسعار وضنك المعيشة وعجز الآباء عن مسايرة مطالب الحياة في ظل حكومة أشعلت فتيل الغلاء والزيادة في كل شيء حتى صار طلب القوت كالبحث عن حجر الياقوت، يركبون البحر مغامرين في سبيل سراب يحسبه الظمآن منهم ماءً حتى إذا وقف على خيالاته لم يجده شيئا مذكورا، إنها مأساة وشذوذ في تاريخ الأمة المغربية وجب على النخبة السياسية والفكرية والدينية العكوف على تشريح جسدها المتهالك والخروج من ترف اللامبالاة والغفلة وفقدان الحس المسؤول وخيانة التحلل من أمانة التكليف الواقعة تحت نفوذ قول الصادق المصدوق: “كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته”، ولا شك أنّها مسؤولية يتفرق النوء بحمل حجمها الثقيل ويتقاسم فيه التعاطي كل من ولاية الأمر ومؤسسات الدولة ونخبها التنفيذية الغيورة والأسرة والمسجد ومؤسسة العلماء وسخائم المجتمع المدني الفاعل الغيور على حمى الوطن لا فصيله الحقوقي الحداثي الراقص العابث المُخاتل الخائن.
ولذلك فكل المفكرين والمصلحين الذين انكبوا وعكفوا على تفكيك ودراسة الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي تدفع مواطنا إلى الهجرة والرحيل عن وطنه حيث مسقط رأسه، وحيث دفء العائلة وحواضن العرف المعهود إرثا وتركة من حيث لغة التواصل لهجة وإشارة ورمزًا، وحيث التكافل والتضامن في أرقى صوره وتمثلاته، وحيث حق الجوار يتعدي عتبة البيت إلى استيعاب همّ وشأن وحاجة سابع جار، وحيث…وحيث…
كلّهم أو جلّهم ربطوا هذه الظاهرة سيما في شقها المتطرف المرضي أي عندما يكون المرء مهووسا مسكونا بفكرة الرحيل وضرورة هجر الوطن راجيا ومتمنيا الوصول إلى الضفة الأخرى بأي ثمن وتحت أي طائلة، ولو ترجح عنده أن الرحلة سيكون قربانها المدفوع هو نفسه، فالحلم عنده أقوى من صوت الضمير وأوثق من فقه البصيرة، ما دام قد اقتنع حد الإشباع بأن في هنالك حلولا لجميع مشاكله تطبيبا وعملا وكرامة ومنشود عيش رغيد…
قلت ربطوها بتظافر سياسات تعليمية فاشلة، وترادف مشاريع أخرى ثقافية كارثية وتعاقب معلبات صناعية إعلامية متسفلة في كل نقيصة، ما تزال آلتها المرئية والمسموعة والمكتوبة تضخ في نفسية المتلقي وتحقن وجدانه البريء وذاته المعنوية بمواد الغلو المادي، فتدفعه بعنف نحو تصوّر وتوهم النجاة على الحصر في مدنية الرجل الأبيض وما وصل إليه من تقدم مادي مبهر فاتن، إنها باختصار سياسات فاشلة ما فتئت مشاريعها تبني رؤاها على تحييد الوحي، والاستخفاف بالعيش في كنفه، إذ الحياة في حضنه لا تملك أن تمنح المواطن سوى الزهد في الدنيا، والتماهي كل التماهي مع الطرح والاختيار الذي يربط فكر الإنسان وعقله ووجدانه بالقبر والمحشر واليوم الآخر فيغدو منسحبا كل الانسحاب من الحياة الدنيا وزينتها، منسحقا تحت فكي الخوف واليأس والقنوط، وتلك سيرة الوحي وسمعة التدين والالتزام في ظل المنظومة الفكرية الحداثية الحاقدة…
ولك في دائرة نفوذ وسطوة هذه الرؤية أن تتخيّل أحاسيس شاب مقبل على الحياة بكل نهم وتطلع واشتياق، لم يخرج بعد من ربقة التحوّل الهرموني والنفسي الذي نقله من مرحلة الطفولة إلى فترة التمييز والتكليف بأدق تعبير وأصح وصف ـ إذ نعتبر لفظ المراهقة لفظا دخيلا لا أصالة له ـ ، شاب تشرّب جرعة مفرطة من منح الأفضلية وإعطاء الأولوية للمنتوج المدني الغربي في ميادين الثقافة والعمران والصناعة ولربما الأخلاق وقد نشأ في مجتمع يدين جلُّه للغرب بالإخبات والإنابة.
ولا جرم أن أول ما يُبتلى به مثل هذا الشاب هو انقلاب سلم الأولويات لديه، بل تتبعثر أوراقه وتتهافت عنده منظومة القيم وتضيع بوصلة الصوب فيفقد مفتاح المعيارية الصالح للتعاطي مع مشاكل الحياة اليومية، فيطفق في استعجال متبنيا خيار الاعتذار عن تهمة الإخفاق والفشل الذريع الذي اصطبغت به سيرة النموذج الإسلامي العربي المحلي في ميادين العلم والمعرفة والحكامة والأدب والاقتصاد…
وهو في غمرة هذا الفقدان للتوازن ينسى أو يتناسى أن السياسة الفاشلة التي طمرته في هذا الوحل المسنون لم تكن غير تلك السياسة المستوردة والوافدة علينا من بلاد الصقيع، والتي لم يكن بها الفصيل العلماني الحداثي إلا حفيا وراعيا ومكرسا، في مقابل مطاردته في بغض وجفوة واعتراض صارم على تدخل الدين أو حتى احتمال إشراكه في إدارة وتدبير أزمة اقتصاد الأرزاق ومعضلة الأخلاق وقضايا النواصي والأعناق.
إن حقائق الأمور على أرض الواقع لتشهد بالصوت والصورة والرائحة أن سياسيينا يؤثرون تلك التفرقة التي توزع الكعكعة حسب المنطق الكهنوتي الكنسي بين قيصر وثالث ثلاثتهم، إنها القسمة الضيزى التي ما فتئ الأخذ بفلسفتها يتغوّل ويتصوّل بطريقة مؤلمة، يزيد من شديد قبضتها الخانقة ما صارت تضخه الآلة الإعلامية البئيسة الموجهة من طرف الفصيل العلماني من زيف وبهتان وترادف اتهام صار معه هذا الإسلام العظيم المجحود مظنة لكل نقيصة تطرف وظلامية ورجعية وإرهاب وتخلف، وإنها والله لحالة مقرفة يذرعك من ريحها المنتنة القيء والرجيع.
ناهيك عن سياسة التغافل السلبي، واللامبالاة المرضية التي تطبع علاقة النخب السياسية مع قضايا المجتمع وفئاته المطحونة، وانظر كمثال فاضح على هذا الانسحاب المقيت، إلى سلوك رئيس الحكومة المغربية الحالية في أحد التجمعات الخاصة بشبيبته ومريدي دجله السياسي الحزبي وهو يهز ردفه مبتهجا راقصا متمايلا على أنغام الجانح المنحرف مغني الراب “طوطو” وكلامه المسجوع النابي، في الوقت الذي كان فيه شمال المملكة يغلي ويعرف حالة من الفوضى والتمرد، وقد تحوّل إلى أرض محشر يفر فيه المواطن من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، وكأني بهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة، نعم يفرون من رمضاء وطنهم إلى سعير نيران المستعمر القديم.
وإنها لمأساة أن ترى بين تلك الجماهير المتقصفة على حدود سبتة أطفالا صغارا لم يبلغوا الحلم بعد، يصرون في عزم وإلحاح على ضرورة هجرهم لوطنهم وواجب الرحيل عنه، رحيل وهجرة في سياق خصومة طافحة الحقد والبغض واليأس المبكر والقنوط الأبكر من مجرد احتمال المكث في الوطن واستكمال فصول العمر على أرضه وبين ناسه…
وقد يستسيغ المرء ويقبل ولو على مضض رحيل وهجرة الكبير المميِّز تحت وطأة القهر أو حتى التغنج والعربدة، ولكن أنّى له أن يمرر في صفح ومهادنة هذه البلوى ونعني بها ظاهرة رغبة الصغار وإصرارهم المرضي في مبارحة دفء الأسرة وأحضان الحومة والحي والمدينة والوطن، إنها ظاهرة ممجوجة، مفقودة الفهم، إذ كيف لك أن تهادن فكرة رحيل أو رغبة طفل في الرحيل، وهو من هو؟؟؟ طفل صغير لا شهادة علمية له تخندقه في صف المعطلّين من حاملي الشواهد العليا قد يئس من التوظيف يأسه من إسماع أهل القبور، طفل يافع لا دُربة مهنية له ولا صنعة يدوية تكسبه ولا موهبة رياضية أو فنية تغنيه فيركب متنها، لنقبل منه هذا النزق والمروق الهالك، ولذلك فمهما قسا على الآباء الوطن وتعاقبت على جيوبهم حكومات القحط والجفاف الاقتصادي، وبلغت القفة نصاب إخراج الزكاة للمحتاج دون دوران الحول فيبقى سلوك الأبناء جنوحا لا مبرر له، وعربدة لا مسوّغ لها مقبول.
ويبقى أن نقول أنه وسواء اقتنعنا بخطورة الأمر أم لم نقتنع، فإن ثمة مراجعات واستدراكات يجب على القائمين على الشأن العام العكوف عند عتبتها لمعرفة هذا الخلل والداء العضال الذي صار ينخر جسد الأمة المغربية، ويُشظي تراص نسيجها الاجتماعي وتلاحمه وإخلاصه لوطنه، ومن ثم خوض المحاولة تلو المحاولة من أجل إعادة صياغة نمط تفكير هذه الناشئة ومراجعة طريقة تعاطيها مع الأمور، وتوجيه أسلوب نظرها للواقع المُعاش، حتى نستطيع مُبكرا رسم السبيل السوي لها، وترتيب عوارض الأولويات الخاصة بالأسرة المسلمة والطفل المسلم في تصورها وإدراكها، مؤمنين ومُسَلِّمين حد اليقين أن الكفيل بهذا هو سلك سبيل التربية التي تمتح من سيرة سيد الخلق وسير الجيل الفريد جيل الصحبة، مُركِّزين على التربية النبوية لمعشر الأطفال من الصحابة، يوم كان الطفل يعيش داخل وسط يدين أهله لله بالاستقامة، فيتربى على مدرج القدوات العملية، في مجتمع تتمايز فيه الصفوف بين أهل الحق ورواد الباطل، وبين معشر الصالحين وزمرة المترفين، وبين النافعين والمفسدين الضارين، وبين أهل الدرجة وسخائم الدركة، في سياق رؤية واضحة ترى البياض بياضا، والسواد سوادا ولا منطقة اشتباه رمادية بينهما.
فاللهم هيّئ لناشئتنا من أمرها رشدا، لتعود ترى الحق حقا فتتبعه، وترى الباطل باطلا فتجتنبه…آمين يا رب العالمين