السلفية والكفاح ضد الاحتلال حمّاد القباج

“لقد سجل لنا التاريخ السياسي في المغرب العربي الكبير أن ما بنته جحافل الاستعمار الفرنسي من قلاع لهدم الإسلام وتمزيق الشعب المسلم العربي في مائة عام هدّمته جماعة من المؤمنين الذين أنتجتهم المدرسة السلفية بزعامة شيخ الإسلام محمد العربي العلوي في أقل من عقدين من الزمان..” (التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير لعبد الكريم الفيلالي).

مما تمس الحاجة إلى بيانه -ونحن نتحدث عن السلفية في بلد ابتلي بهيمنة علمانية فرنكوفونية مرت عبر مرحلتي: الحماية، ثم الوصاية- أن علماء السلفية هم من بذر البذرة الأولى في سبيل مقاومة تلك الهيمنة، ولا يزالون يتعاهدون ما أنبتت إلى اليوم.

كما أن أبرز القادة في الحركة الوطنية التي قاومت الاستخراب الفرنسي في بلدنا إنما هم من تلامذة السلفية، وقد تبنوها فيما تدعو إليه من نبذ الشركيات والخرافات المفسدة للعقل والدين؛ من أشهر أولئك القادة: الأستاذ علال الفاسي رحمه الله(1)، الذي بين في عدد من كتاباته أنه تتلمذ على يد كبار دعاة السلفية المغاربة؛ كالشيخين: بوشعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي.
وقد أكد أن الحركة الوطنية لإخراج المستعمر يرجع الفضل في ظهورها وتمكنها إلى العلماء السلفيين.
وشرح ذلك في مذكراته حول الحركات الاستقلالية التي نوه فيها بجهود السلفية في مقاومة الاستعمار، وأنها واضعة اللبنات الأولى لذلك البناء المشرِّف؛ ومن ذلك قوله: “وكان لمولاي عبد الحفيظ فضل كبير في إظهار هذه المبادئ (السلفية) وتأييدها، خصوصا بعد أن أخذ بعض أدعياء المشيخة يمدون أيديهم للأجنبي (ويقصد محمد بن عبد الكبير الكتاني)، وقد أصدر جلالته رسالة في الرد على التيجانيين، كما أمر بإقفال زاوية الكتانيين بعد أن اكتشف مؤامرة رئيسها على الدولة وعلى البلاد، غير أن هذا نفسه لم يكن إلا مقدمة أولى للحركة السلفية التي دعا إليها وبثها وخرج رجالها أستاذنا العلامة المصلح السيد محمد بن العربي العلوي حفظه الله؛ فقد كان لهذا الرجل من الجرأة والإقدام والثبات ما جعله يلاقي في دعوته نجاحا كبيرا وإقبالا عظيما”(2).
قال: “وقد دخل الريفُ في حرب فرنسا ونحن من حول أستاذنا نعمل لهذه العقيدة ونجاهد في نشرها، وما ظهرت خيانة بعض مشايخ الطرق في هذه الحرب حتى زاد ذلك فينا حماسة وقوة، وكانت تجتمع بفاس ثلة من الشباب حول ابن العربي، وفي الرباط مثلها حول الشيخ أبي شعيب، وتظهر آثار الثلتين في المحاضرات التي يلقونها، والزيارات التي يتبادلونها، والمقالات التي ينشرونها في صحف الجزائر وتونس. والمغرب الأقصى لم يكن حظي إذ ذاك بجريدة ليس للحماية عليها سلطان، ولم تمض برهة على هذه الحركة حتى أخذت الحماية تتخوف منها، وتحس بأنها موجهة لمقاومة نفوذ أحبائها الطرقيين(3) فبدأت تستدعينا للاستنطاق وتهددنا بالاعتقال، وفعلا ألقت في النهاية القبض على صديقنا الأستاذ محمد غازي الذي كان من أكبر دعاة السلفية ورجالها”. ثم يستمر فيقول: “وليس من الممكن لمؤرخ الحركة الاستقلالية بالمغرب أن يتجاهل هذه المرحلة العظيمة، ذات الأثر الفعال في تطوير العقلية الشعبية ببلادنا، ومن الحق أن نؤكد بأن امتزاج الدعوة السلفية بالدعوة الوطنية كان ذا فائدة مزدوجة في المغرب الأقصى على السلفية وعلى الوطنية معا”( 4).
ويقول الأستاذ محمد الفاسي عن المصلح السلفي؛ الشيخ عبد السلام السرغيني: “إن تاريخ الحركة الوطنية -بل الفكرة الوطنية نفسها- يرجع الفضل في بثها ونشرها إلى شيخ الإسلام ابن العربي ومن كان معه من بعض العلماء السلفيين كشيخنا السيد عبد السلام السرغيني رحمه الله وكثيرا ممن تتلمذوا لابن العربي، كانوا أيضا في نفس الوقت تلاميذ للسيد عبد السلام السرغيني، وقد لاقت هذه الحركة أيضا مقاومة شديدة من طرف القبوريين وكان أقطاب السياسة الأهلية من رجال الحماية يساندون الجامدين ويضطهدون بشتى الوسائل دعاة الإصلاح”(5)
وفي بيان الأثر الراسخ للدعوة السلفية في إنضاج الوعي المغربي ضد المستعمر وضد ما بث من فساد عقدي وسلوكي؛ يقول المؤرخ المغربي؛ الدكتور عبد الكريم الفيلالي: “لقد سجل لنا التاريخ السياسي في المغرب العربي الكبير أن ما بنته جحافل الاستعمار الفرنسي من قلاع لهدم الإسلام وتمزيق الشعب المسلم العربي في مائة عام هدّمته جماعة من المؤمنين الذين أنتجتهم المدرسة السلفية بزعامة شيخ الإسلام محمد العربي العلوي في أقل من عقدين من الزمان؛… بسبب نشاطه العلمي السياسي في مدينة فاس التي كان يقوم فيها بدرسين في الأسبوع يوم الإثنين ويوم الخميس، وقد كان ذلك كافيا لتكوين الوعي السياسي بين طبقة الشعب في مدينة فاس وما حولها، ذلك أن كل من دخل المدينة من سكان القبائل المجاورة زائرا أو متاجرا إلا وكان لا بد له من حضوره درسا أو اثنين من دروس الشيخ، فيعود إلى قومه وهو يردد ما سمعه من الشيخ”اهـ( 6).
وبعد هذه اللمحة المقتضبة يحق لكل مواطن حر منصف أن يتساءل: هل من حق وزير الأوقاف أو غيره أن يصادر هذا التوجه السلفي المبارك، الذي لم تكن مقاومة المستعمر إلا حسنة من حسناته، ومبرة من جليل أعماله الدعوية والوطنية؟!
وهل يصح أن يعامل دعاته (الدكتور المغراوي نموذجا)؛ معاملة المضلين المشوشين على ثوابت البلاد؟!؟!؟!
.. إن الانقلاب على السلفية يشكل في حقيقة الأمر خدمة لقوى الاستعمار المتربصة ببلدنا وخيراتنا وطاقاتنا، وإذا كانت فرنسا قد مارست استعمارا ميدانيا له تبعاته الممتدة الأطراف، فإن أمريكا اليوم تمارس استعمارا من جنس آخر؛ عنوانه العولمة، وآليته الهيمنة، وبريده العمالة التي نحذر مسؤولينا من الوقوع في شباكها من حيث لا يشعرون..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الذي قال: “إن الحركة السلفية هي التي تريد الرجوع بالدين إلى أصله الأصيل، ومصدره النقي، لتزيح عنه كل ما ألصقته الأجيال به من آثار الجمود والجحود، وما غطت به حقائقه الناصعة، وتأويلات المبطلين وتحريفات الجاهلين”. (حديث المغرب في المشرق ص:3).

([2]) الحركات الاستقلالية ص 153ـ54 ط القاهرة 1948 وعبد الكريم الفيلالي المغرب ملكا وشعبا 113ـ121 ط القاهرة 1957.

([3]) راجع المصدر السابق الحركات ص 154.

([4]) التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير (8/376)، وانظر منه: (9/167).

([5]) مجلة دعوة الحق العدد 8 سنة 1959م (ص.19)

([6]) التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير (8/388- 389)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *