حكم ومواعظ

قالت الحكماء
جبل الناس على ذم زمانهم وقلة الرضا عن أهل عصرهم، فمنه قولهم: رضا الناس غاية لا تدرك، وقولهم: لا سبيل إلى السلامة من ألسنة العامة، وقولهم: الناس يعيّرون ولا يغفرون، والله يغفر ولا يعير.
قال المأمون
يحسن بالملوك الحِلم عن كل أحد إلا عن ثلاثة: قادح في ملك، أو مذيع لسر، أو معترض لحرمة.
سئل أحد الحكماء
ممن تعلمت الحكمة؟ قال: من الأعمى..لأنه لا يضع قدمه على الأرض إلا بعد أن يختبر الطريق بعصاة.
قال حكيم من العرب
الناس في الخير أربعة أقسام. منهم من يفعله ابتداء، ومنهم من يفعله اقتداء، ومنهم من يتركه حرمانا، ومنهم من يتركه استحسانا؟ فمن يفعله ابتداء فهو كريم. ومن يفعله اقتداء فهو حكيم. ومن تركه حرمانا فهو شقي، ومن تركه استحسانا فهو دني.
قال أحد الحكماء
لا تصنعوا إلى ثلاثة معروفا: اللئيم فإنه بمنزلة الأرض السبخة، والفاحش فإنه يرى الذي صنعت إليه إنما هو لمخافة فحشه. والأحمق فإنه لا يعرف قدر ما أسديت إليه فإذا اصطنعت إلى الكرام فازرع المعروف، واحصد الشكر.
قال الحكيم
ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا في الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة إليه.
القلب
قال ابن القيم:
مثل القلب مثل الطائر كلما علا بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوته الآفات.
قال الأصمعي: سمعت أحد الوعاظ يقول: إني لأعظكم، وإني لكثير الذنوب، مسرف على نفسي، غير حامد لها، ولاحاملها على المكروه في طاعة الله.
وقد بلوتها فلم أجد لها شكرا في الرضا، ولا صبرا على البلوى. ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمره لترك الأمر.. ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان، واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم من مستقبل يوما لايستكمله، ومنتظر غد لا يبلغه.
ولو تنتظرون الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.
تسلية وترويح
أُخرج بالتي هي أحسن
نزل أبو الأغر، وهو شيخ أعرابي من بني نهشل، ضيفا على بنت أختٍ له تسكن البصرة، وذلك في شهر رمضان. فخرج الناس إلى ضياعهم، وخرج النساء يصلِّين في المسجد، ولم يبق في الدار غير الإماء وأبي الأغرّ. ودخل كلب من الطريق إلى الدار، ثم إلى الحجرة، فانصفق باب الحجرة ولم يتمكن من الخروج. ‏ ‏
وسمع الإماءُ الحركة في الحجرة فَظَنَنَّ لصّا دخلها، فذهبت إحداهن إلى أبي الأغر فأخبرته، فأخذ عصا ووقف على باب الحجرة وقال: يا هذا إنك بي لعارف. أنت من لصوص بني مازن، وشربتَ نبيذًا حامضا خبيئا حتى إذا دارت الأقداح في رأسك مَنَّتْكَ نفسُك الأماني، فقلتَ: أَطْرُقُ دُورَ بني عمرو والرجال في ضياعهم والنساء يصلين في المسجد فأسرِقهن. سَوْءةً لك! والله ما يفعل هذا رجلٌ حر! وبِئْسَمَا مَنَّتْك نفسُك! فاخرج بالتي هي أحسن وأنا أعفو عنك وأسامحك وإلا دخلتُ بالعقوبة عليك.
وأيم الله لتخرجنّ أو لأهتفن هَتْفَةً فيجيء بنو عمرو بعدد الحصى، وتسأل عليك الرجال من ها هنا، وها هنا ولئن فعلتُ لتكوننَّ أشأم مولود في بني مازن.
فلما رأى أنه لا يجيبه أخذ باللين فقال: أخرج بأبي أنت منصورا مستورا. إني والله ما أراك تعرفني، ولئن عرفتني لوثقت بقولي، واطمأننت إليّ. أنا أبو الأغر النهشلي، وأنا خالُ القوم وقُرّة أعينهم، لا يعصون لي رأيا، وأنا كفيلٌ بأن أحميك منهم وأن أدافع عنك. فاخرج وأنت في ذمتي، وعندي فطيرتان أهداهما إليّ ابن أختي البار، فخذ إحداهما حلالا من الله ورسوله، بل وأعطيك بعض الدراهم تستعين بها على قضاء حوائجك. ‏ ‏
وكان الكلبُ إذا سمع الكلام أطرق، فإذا سكت أبو الأغرّ وثب الكلب وتحرّك يريد الخروج. فلما لم يسمع أبو الأغرّ ردّا قال: يا ألأم الناس! أراني في وادٍ وأنت في آخر. والله لتخرجن أو لأدخلن عليك. فلما طال وقوفه جاءت جاريةٌ وقالت لأبي الأغرّ: أعرابي جبان! والله لأدخلنَّ أنا عليه! ودفعت الباب، فوقع أبو الأغر على الأرض من فرط خوفه، وخرج الكلبُ مبادرا فهرب من الدار.
واجتمعت الجواري حول أبي الأغرّ فقُلْن له:‏ قم ويحك! فإنه كلب! فقام وهو يقول:‏ الحمد لله الذي مسخه كلبا وكفى العربَ شرَّ القتال! ‏
من كتاب “عيون الأخبار” لابن قتيبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *