خطاب أوباما سراب بقيعة.. فلا تحسبوه ماء إبراهيم الطالب

في الوقت الذي يطلب “أوباما” من المسلمين أن لا يصبحوا أبدا سجناء لأحداث قد مضت، “ويرشدنا إلى معالجة مشاكلنا بواسطة الشراكة كما يجب أن نحقق التقدم بصفة مشتركة” نراه يتناقض مع نفسه عندما يجعل حق الصهاينة في احتلال فلسطين مؤسسا على حدث من الماضي تمثل في مجرد تعرضهم للمحرقة التي جعلها الرئيس حدثا مقدسا مطلقا لا يجوز التشكيك فيه متابعا في ذلك للأوامر الصهيونية.

فكيف يصر على التشبث بالماضي من أجل إثبات حقوق وهمية للصهاينة بينما يؤكد على نبذه عندما يتعلق بمواقف الصمود والإباء عند من يحملون لواء البراء ويرفضون الانخراط في سلك الخيانة المسمى تطبيعا.
فحسب الرئيس الأمريكي يجب أن ننسى أرض فلسطين والقدس الشريف ودمار الحرب على أفغانستان والعراق وننسى ملايين المسلمين الذين قتلوا، وملايين الأطفال الذين يتموا، وننسى ما حصل بسجن أبي غريب وما حصل بـ”غونتنامو”، وذلك حتى نحقق التقدم من خلال شراكتنا مع دولة “أوباما” يجب أن ننسى أن أمريكا ما زالت تصادر كل آمالنا في الانعتاق من سيطرتها بتدخلها السافر في شؤون بلداننا حماية لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
ولعلم من دبج لـ”أوباما” خطابه وحدد له محاوره أن المسلمين الذين سيوجه لهم خطابه سيلاحظون هذا التناقض، وبمكر واضعي السياسات التوسعية استدرك قائلا: “لا يعني ذلك بالنسبة لنا أن نفضل التغاضي عن مصادر التوتر”، وطلب ممن يستمع إليه أن يتطرق بمنتهى الصراحة وأكبر قدر ممكن من البساطة إلى بعض الأمور المحددة التي نعتقد أنه يتعين مواجهتها في نهاية المطاف بجهد مشترك والتي أجملها في ست نقط اعتبرها مصادر للتوتر بين الأمريكيين والمسلمين، وهي كالآتي:
أولا- التطرف:
تجنب الرئيس خلال خطابه ذكر لفظي “إرهاب” و”إرهابيون” والاكتفاء بتعويضها بلفظي “التطرف” و”المتطرفون”، وذلك لكون اللفظين الأولين لا يخدمان الهدف الذي من أجله حل بالقاهرة، والمتمثل في تحسين صورة أمريكا لدى المسلمين والسعي إلى بداية جديدة معهم وهذا ما أشار به المستشارون على سلفه “بوش” الصغير وتابعه ” طوني بلير”.
لقد حاول “أوباما” من خلال كلامه وتحليله لأسباب الحرب على أفغانستان والعراق أن يستعمل سحر الكلام واللعب بالألفاظ ليظهر للمسلمين أن الحرب على أفغانستان كانت من أجل الضرب على يد المتطرفين الذين يهددون أمن أمريكا والعالم. ولم يكتف بتسويغ الحرب على دولة مسلمة وشعب مسلم من أجل مطاردة من وصفهم بالمتطرفين، بل طالب الدول بأن يعملوا بصفة سريعة على عزل المتطرفين مع “عدم التسامح لهم داخل المجتمعات الإسلامية”.
أي بعبارة أخرى طالب الدول الإسلامية بالقيام بحرب ضد أبنائها بالوكالة عن أمريكا، حتى تعيش أمريكا وأبناؤها في أمن وسلام.
وهل سوف تحقق الدول الإسلامية الأمن والسلام لها ولرعاياها إذا ما فتحت جبهات مع أبنائها؟ هذا ما تجيبنا عنه الأحداث الدامية بين الحكومة وأبنائها في باكستان.
إن “أوباما” لم يأت في الحقيقة للمصالحة مع المسلمين وإنما أتى ليضمن استمرار وتأييد الدول الإسلامية لسياسة بلاده في حربها على ما أسمته الإدارة السابقة الإرهاب. ويرفع الإحراج والمعارضة عن الحكام في البلدان الإسلامية حتى يسارعوا إلى استئناف العمل تحت إمرة التوصيات والمخططات الأمريكية خصوصا بعد ما أفرزته الحرب على غزة وحصار الفلسطينيين من غضب عارم بين شعوب المسلمين.
في الحقيقة إذا ما جردنا خطاب “أوباما” من الكلمات المخدرة، مثل التقدم والتشارك والديمقراطية والسلام والأمن ومحاربة المتطرفين، أيقنا أنه لم يتغير شيء سوى اللفظ حيث أصبحت كلمة التطرف بديلا لكلمة إرهاب التي استنفذت كل استعمالاتها السياسية والاستراتيجية لتحل محلها كلمة التطرف التي تعد أوسع باعتبار مدلولها استنادا إلى الثقافة والسياسة الغربية العلمانية المعادية لأي تدخل للدين في السياسة، اللذين عملت كل الدول الامبريالية خلال احتلالها للدول المسلمة على الفصل بينهما، من خلال ترسانة من القوانين الوضعية المستوردة من بلادها.
وعلى المنوال نفسه من التلبيس والمغالطات عرج “أوباما” على الحرب على العراق، وبكل صفاقة، مغلفة بالبيان اعترف أن هذه الحرب “ذكرت أمريكا بضرورة استخدام الدبلوماسية وبناء الإجماع الدولي لتسوية مشاكلنا كلما كان ذلك ممكنا”.
واشتدت الصفاقة وغلظت عندما حاول إقناع المسلمين أن الشعب العراقي في نهاية المطاف هو الطرف الكاسب في معادلة التخلص من الطاغية صدام حسين.
فماذا كسب الشعب العراقي من الحرب الأمريكية على بلاده سوى مئات الآلاف من القتلى ومثلهم من الأرامل واليتامى والمعوقين والجرحى، وحرب طائفية خبيثة مكنت فيها الجيوش الغازية للطائفية الشيعية الرافضية الحاقدة، واندثار قوة الجيش العراقي القوي الذي حله الاحتلال، واغتيال مئات من الأطر من أطباء وباحثين وخبراء وعلماء في عمليات للتصفية الجسدية وهدم لبنياته التحتية وتدمير لمؤسساته، وكسر لعزائم رجاله وهتك لأعراض نسائه وغير ذلك من مظاهر وآثار الإذلال والتدمير الذي لا يزال مستمرا إلى الآن.
كل ذلك وغيره يساوي في نظر “أوباما” إزاحة صدام حسين رحمه الله وغفر له من السلطة.
في حقيقة أثبتت مغالطات “أوباما” أن الإمبريالية لا تختلف باختلاف لون البشرة ما دامت المرجعية واحدة.
ثانيا: الوضع بين “الإسرائيليين*” والفلسطينيين والعالم العربي
في هذا المحور حاول “أوباما” أن يذكر المسلمين أن “متانة الأواصر الرابطة بين أمريكا وإسرائيل* معروفة على نطاق واسع، ولا يمكن قطع هذه الأواصر أبدا (…) كما أن تهديد إسرائيل* بتدميرها أو تكرار الصور النمطية الحقيرة عن اليهود هما أمران ظالمان للغاية (…) -وأنه- يجب على الفلسطينيين أن يتخلوا عن العنف، إن المقاومة عن طريق العنف والقتل أسلوب خاطئ ولا يؤدي إلى النجاح (…) على تنظيم حماس أن يضع حدا للعنف وأن يعترف بالاتفاقات السابقة وأن يعترف بحق إسرائيل* في البقاء حتى يؤدي دوره في تلبية طموحات الفلسطينيين وتوحيد الشعب الفلسطيني (…) يجب على الدول العربية (…) العمل لمساعدة الشعب الفلسطيني على الاعتراف بشرعية إسرائيل* واختيار سبيل التقدم بدلا من السبيل الانهزامي الذي يركز الاهتمام على الماضي.
حاولت في هذه الفقرة أن أحذف التلبيسات التي أوردها “أوباما” وأمسح المساحيق التي كانت تخفي صفاقته، واحتفظت بنص كلامه دون تعليق بما فيه لفظ إسرائيل ليتبين للقارئ موقفه الصريح والداعي إلى إيقاف المقاومة ضد الصهاينة وضرورة تطبيع الدول العربية مع دولتهم ووجوب اعتراف الفلسطينيين بها. وفي المقابل لا شيء يتغير سوى الوعود التي لطالما أطلقها كل من دخل البيت الأبيض منذ بداية الاحتلال الصهيوني.
ثالثا: الاهتمام المشترك بحقوق الدول ومسؤولياتها بشأن الأسلحة النووية.
خلاصة كلام “أوباما” في هذا المحور تمثلت في كون أي محاولة لامتلاك الأسلحة النووية يشكل تهديدا لأمن كل دول العالم لذا لا يجب أن نسمح بانتشاره، أما بخصوص امتلاك الكيان الصهيوني لها وتهديده للدول الإسلامية فلم يعرج عليه، مكتفيا بإعطاء وعد يدرك هو قبل غيره أنه لن يكون له أثر على أرض الواقع والمتمثل في التزام أمريكا بالسعي من أجل عدم امتلاك أي من الدول للأسلحة النووية.
أما المحاور المتبقية فتسلسلت في خطابه على النحو الآتي:
رابعا: الديمقراطية.
خامسا: الحرية الدينية.
سادسا: حقوق المرأة.
ولم تحمل جديدا سوى تثبيت الفكر الغربي والتمكين للمفاهيم الغربية في البلدان الإسلامية والتي يلزم من تبنيها التخلي عن كل مقومات الدين والهوية الإسلامية.
فلا أدري على أي شيء كان يصفق الحضور، و ما دمنا مشتتين متناحرين وما دامت العلمانية والليبرالية مهيمنة على نخبتنا، فما علينا إلا أن ننتظر خمس سنوات، آملين من كل قلوبنا المفرغة من عزيمة الرجال، أن يفي “أوباما” الذي لا يملك شيئا في تغيير السياسة الخارجية لبلاده بوعود داعب به قلوب المنهزمين ليكتشف الكل في النهاية أنه حقق بالسلام أكثر مما حققه “بوش” الصغير بالحرب.
ومع كل رئيس جديد تتجدد آمال المنهزمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) احتفظت بكلمة “إسرائيل” لمجرد النقل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *