من فقه البيوع النوع الثالث من البيوع المحرمة: بيوع الربا (الحلقة الحادية عشرة) تحريم الحيل الربوية (بيع العينة) ياسين رخصي

بسم الله الرحمان الرحيم
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم”(1).
اشتمل هذا الحديث على مسائل منها تحريم بيع العينة.
تعريف العينة:
لغة: العينة بكسر العين: السلف، يقال اعتان الرجل إذا اشترى الشيء بالشيء نسيئة (إلى أجل)، ويقال اعتان الرجل إذا اشترى نسيئة(2).
قال ابن القيم رحمه الله: “وقال الجوزجاني: أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعين التي احتاج إليها، وليست به إلى السلعة حاجة”(3).
اصطلاحا: أن يبيع الرجل سلعة نسيئة، ثم يشتريها بأقل مما باعها به نقدا(4).
حكم العينة:
ذهب أكثر أهل العلم ومنهم الحنفية والمالكية والحنابلة إلى تحريمها.
وقد استدل ابن القيم رحمه الله على تحريمها بشاهد النقل، والعرف، والنية والقصد.
أما النقل: فلحديث ابن عمر المتقدم، ولما روى أبو إسحاق عن امرأته (العالية بنت أيفع): أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى أجل، ثم اشتريتها منه بستمائة، فنقدته الستمائة وكتبت عليه ثمانمائة، فقالت عائشة: بئس ما اشتريت، وبئس والله ما اشترى، أخبري زيد ابن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب، فقالت المرأة لعائشة: أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ قالت: {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ} الآية، أو قالت: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ}”(5).
أما العرف: فقال ابن القيم رحمه الله: “وأما شهادة العرف بذلك، فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير [بل قد عُلِمَ أن المتبايعين] لم يعقدا على السلعة عقدا يقصدان به تملكها ولا غرض لهما فيها بحال، وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول مائة بمائة وعشرين، وإدخال تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جيء به معنا في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن أو تساوي أقل جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها موردا للعقد، لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهل العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا”.
وأما النية والقصد: فالأجنبي المشاهد لهما (يعني المتبايعين) يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة، وإنما القصد الأول مائة بمائة وعشرين، فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يحضران السلعة مُحَلِّلا (أي يجعلانها محللا) لِما حرم الله ورسوله(6).
وبذلك يعلم أن ما يفعله بعض الناس من شراء بعض السلع بثمن مؤجل، ثم بيعها بثمن حالّ أقل مما اشتُرِيَتْ به لبائعها الأول أمر غير جائز لأنه من العينة، فإن اشتراها بثمن مؤجل ثم باعها بثمن حالّ أقل مما اشتريت به على غير بائعها الأول فهي مسألة التورق.
وقد اختلف أهل العلم في حكم التورق على قولين: قول بالجواز وقول بالمنع، فمن أجازها احتج بعموم الأدلة الدالة على حل البيع، وأنها ليست من العينة المنهي عنها، لأن المشتري لم يبعها لمن باعها عليه.
واحتج من منعها بأن المعنى الذي من أجله حرم الربا موجود فيها، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين(7): “وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة وإن باعها لغيره فهو التورق وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وأخفها التورق، وقد كرهه عمر ابن عبد العزيز وقال هو أخية الربا، وعن أحمد فيه روايتان وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه رضي الله عنه قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر، وكان شيخنا رحمه الله يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مراراً وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه”.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- أخرجه أبو داود، وحسنه ابن القيم.
(2)- المصباح المنير للفيومي، ومختار الصحاح وفقه الربا لعبد العظيم جلال أبو زيد، ص:507.
(3)- عون المعبود شرح سنن أبي داوود (6/323).
(4)- أنظر حاشية الخرشي على مختصر خليل (5/105).
(5)- أخرجه عبد الرزاق واللفظ له والبيهقي، وقال ابن عبد الهادي في التنقيح: هذا إسناد جيد.
(6)- أنظر عون المعبود شرح سنن أبي داوود (6/318-319).
(7)- إعلام الموقعين (3/370).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *