رحل موزاين وخمدت الأقلام المستنكرة والمؤيدة وبقيت الهموم والأحزان تحز في قلوب الأحرار الذين ساءهم أن يصبح تكريم المأفونين سياسة وطنية تفرض بالقوة كما بالترغيب.
انتهى الصراع إذن واحتمى المؤيدون بل أعلنوا النصر واحتفوا بأن كانت كلمتهم هي العليا -ولا شيء يعلوا على كلمة الله- وبسطوا حججهم ونثروا الأدلة على أن الشعب معهم له نفس الفكر ويعيش نفس الوجدان، فكان مما قالوا انظروا إلى الجماهير الغفيرة التي حضرت فهي برهان الصواب وعينه، لكن هذه الكثرة التي يفاخرون بها هي عند العقلاء المسترشدين بنور الوحي، المستمسكين بحبل القرآن الذين يسائلونه في كل تفاصيل الحياة؛ أن ذلك ما هو إلا دليل على أن ذاك باطل محض لا حق فيه، ولو كان حقا ما وجد من يعطه قيمة إلا القليل، لأن سنة الله الكونية أن الحق ثقيل على النفوس تستثقله ولا تقواه، والباطل هين تهواه النفوس وترضاه.
لذلك لا غرابة من هذا الإقبال المنقطع النظير على هذه المهرجانات التي شغلت الأمة عن نهضتها الحقيقية، نهضة لا تعرف العبث ولا تعطي قيمة للّهو الذي تنشغل به طيلة العام.
الكثرة التي يفاخر بها أنصار الانحراف المهرجاني لا يذكرها القرآن بخير ولا يثني عليها إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى: “وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً”، أما المتتبع لآيات القرءان والتي تتحدث عن الكثرة فلا تأتي إلا في سياق الذم والتبكيت والتبخيس، والكثرة ليس لها قيمة في الميزان الشرعي بقدر ما هي للحق وإن قل أهله، وإن كان واحدا كما في قوله تعالى: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً” أمة وحده لأنه على الحق والكثرة على الباطل فكانت لا شيء.
وهذه نصوص القرآن تحدثنا عن الكثرة التي لا خير فيها دائما لغلبة الهوى في النفوس يقول ربنا سبحانه: “وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ”، “وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ”، “وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ”، “وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ”، “وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون”، ويقول تعالى على لسان إبليس: “قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين”، وفي آية أخرى يقول “ولا تجد أكثرهم شاكرين” وقد لام القرآن خير الناس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أعجبوا بالكثرة في موطن شرعي فقال تعالى: “ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا” وغير هذا كثير من نصوص القرآن التي لا تحتفي بالكثرة وتجعلها لصيقة بالضلال والانحراف؛ فلا داعي للفرح إذن بكثرة المرتادين لمواطن الزيغ لأنهم يشكلون نصيب الشيطان من البشرية التي أقسم على غواية أكثرها.
لكن في المقابل يمدح الوحي القلة ويباركها ويثني عليها لأن الحق ثقيل على النفوس وهو مر تحملا وأداء، يقول تعالى: “وقليل من عبادي الشكور”، “ثلة من الأولين وقليل من الآخرين”، “تولوا إلا قليل منهم”، “فشربوا منه إلا قليلا منهم”، “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله”. ولذلك كان أتباع الأنبياء قلة على مر تاريخ الرسالات بل منهم من لم يتبعه إلا قليل مع طول دعوته كنوح عليه السلام قال تعالى: “فما آمن معه إلا قليل”؛ ومنهم من لم يؤمن به أحد ولا يقدح ذلك في دعوته كما ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط؛ والنبي ومعه الرجل والرجلان؛ والنبي وليس معه أحد”.
إذن ظهر بذكر بعض نصوص القرآن أن لا خير في كثرة ليست على الحق وهي كذلك. فلا داعي للافتخار بها في معرض المحاججة، وأهل الباطل أولى بالفرح بها وهو الواقع الذي لا يرتفع، فإقبال الناس على المهرجانات وما فيها من منكرات، والحفلات وما تحويه من تسيب وانفلات، والشواطئ وما تعرفه من تفسخ وكشف للعورات، والقائمة طويلة من طوام وموبقات، والتي تعرف رواجا كبيرا يفوق التصور والتوقع؛ لا تعني بحال أنها الحق لكثرة أهلها ولكنها في الميزان الشرعي وفي نظر العقلاء دليل انحراف وزيغ وأولئك حظ الشيطان من بني آدم.
ولذا حذر الله من اتباع أكثر الناس لأنهم رعاع أتباع كل ناعق فقال سبحانه “وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله”، “ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن”.
فليفرح الفارحون بكثرتهم وليفرح أهل الحق بوصف الغربة، فمجد الأمة أضاعه الغثاء من أمة الإسلام بالرقص والغناء؛ حتى استباحهم الأعداء من كل حدب، لا يلقون لهم بالا لأن كثرتهم كانت عليهم وبالا كغثاء السيل، ليس له قرار ولا يدري أين يقذف به ومتى؟ هذا ما حصل لأمة صارت تفرح بالغثاء.