إسرائيل الكبرى.. تعريف بالمخطط  محمد زاوي

تعبر “إسرائيل الكبرى” عن مخطط سياسي صهيوني، لكن بتبرير يستمد مرجعيته من سفر التكوين حيث الادعاء القائل إن “الله عقد ميثاقا مع إبراهيم قائلا: سأعطي نسلَك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات”.

وبغض النظر عن مدى صحة ما أورده سفر التكوين، وبغض النظر عن مدى إيمان مخططي “إسرائيل الكبرى” به، إلا أنه هذا المخطط خطير ويستهدف الوطن العربي والأمة الإسلامية في عمقهما الاستراتيجي.

“إسرائيل الكبرى” هذه إذا نجح مخططها ستلتهم كامل فلسسطين، وكامل لبنان، وكامل الأردن، ومناطق شاسعة من كل من سوريا والعراق والسعودية والكويت. وربما تلتهم دولا أخرى لأن الدولة الكبرى قد تفكر في احتلال بعض دول محيطها لتأمين حدودها الأقرب بحدود أبعد. وربما تفكر في السيطرة على دول بعيدة، لأن ذلك يدخل في صميم السيطرة “الصهيونية” على العالم، وبالتالي في حماية حدود “إسرائيل الكبرى”.

لتنفيذ هذا المخطط، على مراحل، يعود أصحابه إلى تاريخ قديم ومختلف. “فالصهيونية من أبرز الحركات النكوصية في تاريخ العالم الحديث ومنذ العقد الأخير القرن 19 م. إذ يتكشف مضمونها الأخير عن تصميم دقيق على دفع عجلة التاريخ مئات السنين وعشرات القرون إلى الوراء. حتى كأنها تريد بالتاريخ أن يعود القهقرى إلى أزمنة وأماكن قطعها وتخطاها في رحلته الطويلة، بدلا من التصالح مع التاريخ على صعيد التطلع نحو المستقبل والانفتاح على مجالاته الرحبة والزاخرة بكل جديد”. (أسعد رزوق، إسرائيل الكبرى: دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني، مركز الأبحاث/ منظمة التحرير الفلسطينية، 1968، ص 17)

وجب التنبيه إلى مسألتين على ضوء ما أورده أسعد رزوق في هذه الفقرة:

-أولا: فالنكوص الإسرائيلي/ الصهيوني قد يخدم مصالحا توسعية إمبريالية، وهو ما يُكسِب “الوعد التلمودي” نجاعة سياسية من خلال استقطاب المؤمنين اليمنيين في معركة يصبحون فيها وقودا، دون أن ينفي ذلك إمكانية تأثير “اليمين المتطرف” في السياسات الإسرائيلية، ودون أن نقيم التمييز الصحيح بين هذا التأثير وتأسيس “دولة إمبراطورية متخيلة ويراد اختلافها” في ظروف صعبة وتختلف عن ظروف مملكة داود وسليمان.

ثانيا: الاستدعاء والرغبة في الاختلاق لا يعني صحة ما يدعو إليه أصحاب مخطط “إسرائيل الكبرى”. وإنه يجب التساؤل: إلى أي حد هو صحيح هذا الادعاء الذي تقوم عليه الدعوة الصهيونية بتأسيس “إسرائيل الكبرى”؟! فالتاريخ الذي اختلقته الصهيونية فضلا عن أنه يعود لماضٍ طواه الزمن، فإنه تاريخ مبالغ فيه ويتحدث عن إمبراطورية لم يسبق لها أن وجِدت.

 

الدراسات التوراتية نفسها لم تهتد إلى قول واحد أو نتيجة واحدة في بحوثها، ما اضطر كلا منها إلى الاختلاق على شاكلتها وحسب البرنامج السياسي الذي يوجّهها والمصالح المتحكمة بها. فقد “اختلقت الدراسات التوراتية جغرافيتها الخاصة، وذلك في محاولتها بناء روايات مختلقة للماضي، وهذه الروايات متأثرة بالقوة بالعوامل الاجتماعية والسياسية والدينية التي شكلت نظرة المؤرخ للماضي والحاضر”. (كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة، ترجمة: سحر الهنيدي، عالم المعرفة، 1999، ص 170).

ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أن المشروع، مشروع “إسرائيل الكبرى”، مشروع بقدر ما هو قائم في نفوس المؤمنين به من “اليمين المتطرف” الإسرائيلي، بقدر ما هو يخدم أجندات إمبريالية في الشرق الأوسط بابتزاز الدول ذات السيادة واستهدافها وتهديدها في حدودها وترابها، وكذا الحفاظ على فاعلية طرف مهم داخل الكيان الصهيوني لتحريكه واستخدامه في الوقت المناسب ضد خصوم الإمبريالية الغربية أو خصومها المحتملين.

الحديث عن هذا المشروع الخطير ليس من باب المبالغة، ولكنه جزء من التفكير الديني-السياسي لدى “الإسرائيليين”. وقيادة الكيان نفسها تعمل على الترويج له وترسيخه في النفوس، وهو جزء من عقيدتها السياسية والاقتصادية. تشهد بذلك خرائط “إسرائيل الكبرى” المنقوشة على القطع النقدية المعدية “الإسرائيلية”، وكذلك نفس الخريطة التي خيطت على اللباس العسكري للجنود “الإسرائيليين”. فهل هذا كله صدفة؟! أم أن المخطط قائم في النفس والإدارة وهناك من يسعى إلى استغلاله، بغض النظر عن مدى قدرة المعنيين به على تنزيله؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *