“طابوهات” حرية التعبير في العالم الغربي

“لا يوجد مجتمع بشري، ولا يمكن أن يوجد، تكون فيه حرية التعبير مطلقة، مهما بلغ من الليبرالية والديمقراطية؛ لأنه يتحول بهذا -لا محالة- إلى فوضى لا يكون معها مجتمعاً. 

ولا يوجد مجتمع بشري، ولا يمكن أن يوجد، يكون فيه التعبير ممنوعاً منعاً مطلقاً، مهما بلغ من الدكتاتورية والاستبداد.
الخلاف بين المجتمعات ليس إذن في مبدأ حرية التعبير وإنما هو في مداها، وفي نوع ما يباح من التعبير وما يُمنع، والتفاضل بينها ليس في القدر أو المدى، وإلا كان أفضل المجتمعات مجتمع لا قانون فيه؛ لأن كل قانون هو بالضرورة قيد على الحرية. وإنما تتفاضل المجتمعات في نوع ما تبيحه وما تمنعه. ففي المجتمعات الغربية الديمقراطية الليبرالية قدر من الحرية السياسية لا يوجد في غيرها.. لكن فيها أيضاً من حرية البذاءة وسوء الخلق ما ليس في غيرها. وهذا أمر سيئ حتى بشهادة كثير من الغربيين ولا سيما المتدينين منهم”. (سخافة التعلل بحرية التعبير؛ د.جعفر شيخ إدريس).
فلم يعد مقبولا اليوم الكلام الذي يردده بعض المثقفين ويلوكه الكتاب والصحفيون؛ بأن الغرب هو قِبلة الحُرّيات المطلقة، ومهوى أفئدة المضطهدين في العالم. فقد تجلت حقيقة تلك الدعوات كلها خاصة بعد أحداث 11 شتنبر؛ وإن كان كثيرا من أحداث الاضطهاد وقمع الحريات في الغرب قد سبق أحداث شتنبر وغيرها بكثير.
ففي أمريكا تم منع عرض مجموعة من الأفلام الوثائقية التي قام بإعدادها الصحفي البريطاني البارز (روبرت فيسك)، لأنها أثارت غضب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي هدّد شبكة التلفزيون بسحب الإعلانات ذات المردود المادي منها.
والسر وراء هذا الغضب أن مجموعة تلك الأفلام كان عنوانها (جذور غضب المسلمين)، حيث اتهمت الصهيونية بأنها السبب الرئيس وراء نقمة المسلمين على الغرب. ولم يشفع لفيسك الحاصل على جائزة الصحافة البريطانية لعام 1995م كأحسن صحفي بريطاني قادر على عرض الأخبار السياسية الدولية وتحليلها؛ لم يشفع له كل ذلك من مصادرة رأيه!
ليس ذلك فحسب؛ بل إن كاتباً بحجم (نعوم تشومسكي) الذي حصل كتابه (الهيمنة أم البقاء: سعي أمريكا للسيطرة العالمية) على مرتبة أكثر الكتب مبيعاً عام 2002م، وتصفه بعض الصحف الأمريكية كصحيفة نيويورك تايمز بأنه يمكن اعتباره أهم مفكّر في العالم اليوم، فقد منع هذا المفكر من توزيع أحد كتبه وتم سحبها من السوق وإتلافها، بعد أن اطلع بعض أعضاء مجلس إدارة الشركة المالكة على محتوى الكتاب، الذي لم يَرُقْ لهم.
وفي عام 1986م لم يستطع المؤلف (جورج جيلبرت) أن يجد ناشراً ليعيد طباعة كتابه (الانتحار الجنسي) على الرغم من أن كتب (جيلبرت) المنشورة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي تصدرت قوائم المبيعات العالمية. والسبب في إعراض الناشرين هو الاحتجاج الصاخب الذي قامت به رائدات حركة تحرير المرأة ضدّه؛ لأن “اختلافات الرجل عن المرأة لا ينبغي حتى أن تدرس” حسب تعبير إحداهن في مقابلة عرضت على شبكة (A B C) الأمريكية.
أما حرية الإعلام المباشر ونشر المعلومة فقد انكشف ذلك بلا أدنى ريب من خلال التعتيم الذي مارسته الإدارة الأمريكية على حظر نقل وقائع الحرب الأخيرة على أفغانستان والعراق، وقصف قناة الجزيرة في كابول، وقتل العديد من الصحفيين في العراق، وأبرزهم طارق أيّوب، ثم إغلاق مكتب الجزيرة في بغداد، والأمر بسجن مذيعها الشهير (تيسير علّوني) في مدريد ومصوِّرها سامي الحاج في جوانتنامو. وأخيراً ما كشفته صحيفة ديلي ميرور البريطانية، وتأكيد رئيس تحريرها المشارك “كيفين ماغواير” من أن لدى صحيفته محاضر موثقة تكشف أن الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش أبلغ رئيس وزراء بريطانيا توني بلير خطة قصف قناة الجزيرة.
وحين تزايدت المطالبة بكشف الحقيقة أُوعِز إلى النائب العام البريطاني بإصدار قرار يمنع الكشف عن الوثيقة أو نشرها.
ولم تصمد حريّة التعبير أمام حق قناة الرحمة المصرية وغيرها من القنوات الإسلامية في بث معتقداتها وأفكارها وقناعاتها، بل عملت فرنسا على منع بثّها بدعوى التحريض على الكراهية والعنف؛ بعد أن قام المركز الصهيوني الأمريكي لأبحاث الشرق الأوسط للإعلام “ميمري” بترصد مضمونها ومحتواها.
فلماذا لم يتحرك الضمير الحي للرئيس الفرنسي “نيكولا ساركوزي” حين أساءت القناة الصهيونية العاشرة طيلة أسبوع كامل من خلال برنامجها الساخر “هيساردوت” (أي البقاء على قيد الحياة) الذي يقدمه المذيع الصهيوني المتطرف “ليئور شلايين” والمتطرف “نتان بشيفكن” إلى نبي الله عيسى وأمه مريم العذراء عليهما السلام؟
لماذا لم يتحرك حين أشار “نتان بشيفكن” ضيف برنامج “هيساردوت” إلى حذائه قائلا: “هذا محمد..” وكرر جملته مؤكدا ذلك بقوله: “نعم هذا محمد..” وسط قهقهة جميع من حوله؟
ألا يتعارض هذا الاستهزاء مع القانون الفرنسي الذي يحظر التحريض على الكراهية أو العنف على أساس الدين أو القومية؟
وفي مقابل ذلك نجد في “بلد الحريات”! قانون “فابيوس جيسو” الذي يجرم مجرّد مناقشة حقيقة وقوع الهولوكست في الحرب العالمية الثانية؛ وقد كان من جملة ضحايا هذا القانون المفكر الفرنسي الشهير روجيه جارودي؛ الذي حوكم سنة 1998م بسبب كتاب (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية).
وبذلك يتبين أن الحديث عن حرّية التعبير في الغرب؛ تطال المقدسات والدين والأخلاق والقيم..؛ ذلك أنهم ارتدوا عن كل ذلك بعد الثورة على الكنيسة؛ لكن حرية التعبير عندهم تقف عند عتبة ثوابتَ جديدة؛ فلا يمكنها أبدا أن تطال اللوبي الصهيوني ومصالحه؛ أو المطالبة بمساواة الرجل بالمرأة؛ أو مخططات الغرب التوسعية والمجازر التي يقترفها في حق الشعوب المسلمة كما يقع اليوم في العراق وأفغانستان..؛ إذ تدخل مناقشة ذلك عندهم في باب (الطابو) الممنوع التطرّق إليه أو الحديث عنه!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *