سلسلة التوحيد عند الصوفية فتح العلي بتوضيح معنى الولي (الحلقة الثالثة) : أبومحمد عادل خزرون التطواني معاني الولاية والولي في القرآن الكريم

 

– ورد لفظ (الولي) ومشتقاته 90 مرة، منها 54 في جانب أولياء الله(1) و36 مرة في جانب أعداء الله ممن تولوا الشيطان والذين ظلموا..الخ. والكل داخل في حزب الشيطان. وللولاية عدة معاني منها.

• المعنى الأول: الولاية العظمى: وهي ولاية الله عز وجل
– قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (2)
– أي: اللهُ وَليُّ الذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَهُ، فَيُخْرِجُهُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ والشَّكِّ وَالرَّيبِ إلى نُورِ الحَقِّ الوَاضِحِ. وَالمُؤْمِنُ لاَ وَليَّ لَهُ، وَلاَ سُلْطَانَ لأَحَدٍ عَلَى اعْتِقَادِهِ إِلاَّ اللهُ تَعَالَى. أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا فَوَلِيُّهُمُ الشَّيْطَانُ، يُزَيِّنُ لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ وَالجَهَالَةِ، وَيُخْرِجَهُمْ عَنْ طُرِيقِ الحَقِّ وَنُورِهِ، إِلى الكُفْرِ وَظُلُمَاتِهِ، وَيُؤدِّي بِهِمْ إلى نَارِ جَهَنَّمَ لِيَبْقَوا فِيها خَالِدِينَ أَبدَاً. وَالنُّورُ هُوَ الحَقُّ، وَالحَقُّ وَاحِدٌ، أمَّا الظُّلُمَاتُ وَهِيَ الكُفْرُ فَهِيَ أجْنَاسٌ.
– وقال هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ(3) وكل ما ورد من حصر الولاية في الله تعالى، فالمراد به تولي أمور العباد فيما لا يصل إليه كسبهم وشرع الدين لهم.

• المعنى الثاني: ولاية النبي للمؤمنين
كما قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ 4
– جعَلَ اللهُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَوْلى بِالمُؤْمِنينِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَولاَيَتَهُ مُقَدَّمَةً عَلَى وِلاَيَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لاَ يَأَمُرُهُمْ إِلاَّ بِمَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَصَلاَحُهُمْ، أَمَّا النَّفْسُ فَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ، وَقَدْ تَجْهَلُ بَعْضَ المَصَالِحِ. 5
– وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وفي رواية (ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة6 ، وفي مقابل ذلك تبرؤه ممن زعم أنه من أوليائه لو كان مشركا، قال صلى الله عليه وسلم: (أن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين) .7

• المعنى الثالث: ولاية المؤمنين بعضهم لبعض
– كما قال تعالى:  إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (المائدة:55، 56).
– وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة:71).
– يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى مُوَالاَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، وَيُسَاعِدُونَ المُحْتَاجِينَ مِنَ الضُعَفَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَهُمْ دَائِمُونَ الرُّكُوعِ للهِ.
– (نَزَلْت هَذِهِ الآيَةُ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ بَرِئ مِنْ مُوَالاةِ اليَهُودِ، وَرَضِيَ بِمُوَالاَةِ اللهِ وَرَسُولِه).
– وَكُلُّ مَنْ رَضِي بِمُوَالاَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالمُؤمِنِينَ هُوَ مُفْلِحٌ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ مَنْصُورٌ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، لأنَّهُ يَكُونُ فَِي حِزْبِ اللهِ، وَحِزْبِ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ، وَلاَ يُغْلَبُ مَنْ يَتَوَالاَّهُمُ اللهُ.8

• المعنى الرابع: تحريم اتخاذ الكافرين أولياء ولو كانوا آباء أو إخوانا أو عشيرة
– قال تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ9 وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ10 . وذكر لعن بعض بني إسرائيل على ألسنة أنبيائهم ومن أسباب ذلك: تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ   11. وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (محمد:11).
– لقَدْ دَمَّرَ اللهُ عَلَى الكَافِرينَ، وَنَجَّى المُؤْمِنينَ وَأَظْهَرَهُمْ عَلَى الكَافِرينَ، لأنَّ اللهَ مَوْلى الذِينَ آمَنُوا وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ وأطَاعُوهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُمْ وَحَافِظُهُمْ، وَلأنَّ الكَافِرينَ لاَ ناصِرَ لَهُمْ فَيَدْفَعُ عَنْهُمُ العُقًُوبَةَ وَالعَذَابَ.12

• المعنى الخامس: ولاية الظالمين للظالمين
– قال تعالى: وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ .13

• المعنى الخامس: ولاية الشياطين والطاغوت للكافرين
كما قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ .14 وهي ولاية كاذبة لا تأييد فيها ولا نصرة وإنما خذلان ونكوص لا سيما عند ظهور الحق: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .15
وقال تعالى: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ. 16
– وقال سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ 17.
– قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- في الأضواء: ثم نفى ولايته للكافرين الذين تولوا الطاغوت وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ وذكر أن تولي الطاغوت ولاية زائفة ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ18 وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجيبوا أبا سفيان يوم أحد: (الله مولنا ولا مولى لكم).
فولاية الله: نصرتهم وإذهاب الخوف عنهم وتبديد الحزن من نفوسهم.19

معتقد أهل السنة والجماعة في الأولياء:

– أهل السنة والجماعة( 20) وسط بين طرفي نقيض في هذه المسألة، وذلك بين من غلا في حق الأولياء، ورفعهم فوق منزلتهم، وأعطاهم شيئاً من خصائص الألوهية، وزاد في تعظيمهم، وبين من فرّط في حقهم، وتساهل فيه. فكانوا خيار الناس، وأعدل الناس، وأوسط الناس، ويبرز ذلك من خلال ما بينوه ووضحوه في هذه المسألة المهمة، والتي وقع الكثير من الناس في مهاوي الشرك بسببها.
– فولي الله ليس شرطاً أن يكون معصوماً لا يخطئ، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، وأن يشتبه عليه بعض أمور الدين، وأن يظن في بعض الخوارق أنها من الكرامات، وتكون من الشيطان لبّسها عليه؛ لنقص درجته.ولا يجب على الناس الإيمان بكل ما يقوله إلا أن يكون نبياً، بل لا يعتمد على ما يُلقى إليه في قلبه، وعلى ما يقع له مما يراه إلهاماً ( 21)، ومحادثة( 22)، وخطاباً ( 23) من الحق، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – فإن وافقه قبله، وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم، أموافق أم مخالف، توقف عنه.
– والناس فيمن يظنون ولايته على ثلاثة أصناف، طرفين ووسط :
1- فمنهم : من إذا اعتقد في شخص أنه ولي الله، وافقه في كل ما يظن أنه حدثه به قلبه عن ربه، وسلّم إليه جميع ما يفعله وهو حال متصوفة بلدنا.
2- ومنهم : من إذا رآه قد قال أو فعل، ما ليس موافقاً للشرع، أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهداً مخطئاً.
3- وخير الأمور أوسطها : ألا يجعل معصوماً ولا مأثوماً إذا كان مجتهداً مخطئاً، فلا يتبع في كل ما يقوله، و لا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده.
فأهل السنة والجماعة يعتقدون : أن الواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله، وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين، لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف ويقول هذا خالف الشرع،كما أن أي أحد ادّعى، أو ادّعى له أصحابه، أنه ولي لله، وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله، ولا يعارضوه، ويسلموا له حاله من غير اعتبار الكتاب والسنة، فهم وهو مخطئون. فالأولياء مهما بلغوا من صلاح الحال ومن التقرب إلى الله. فإنهم بشر ليسوا معصومين وإنما مستعصمين بكتاب الله وسنة رسوله. وقد اتفق سلف الأمة، وأئمتها على أن كلاً يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأن الولي لله تعالى لا يكون وليا إلا أن يكون موافقا في جميع أحواله للكتاب والسنة ظاهرا وباطنا، بمعنى أن لا يرى جواز الزيادة في الدين والتبديل فيه وأن المعرض عنهما لا يسمى وليا وإنما يوصف بما وصفه به رسول الله: (وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها [وفي رواية] لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)24 وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)25 فيصح تسميته (هالكا) أو (ضالا)أما أن يبتدع في دين الله ويسمى وليا فلا وإن بلغ بعبادته ما بلغ. فالمشهور عند أهل السنة من أصول الاعتقاد: أنه لا أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من الذنوب والخطايا 26 كما أنه: ((ليس من شروط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ؛ بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين) .27
فلو ذكر الرجل الله سبحانه وتعالى دائما ليلا ونهارا مع غاية الزهد، وعبده مجتهدا في عبادته ولم يكن متبعا لذكره الذي أنزله- وهو القرآن- كان من أولياء الشيطان) .28
فأساس الولاية الحقة هو السير على منهج القرآن والسنة، والتمسك بهما.
وما يزعمه بعض المبتدعة من أن جبريل نزل بعلم الشريعة، فلما تقرر نزل بعلم الحقيقة وهو علم الباطن29، فإن هذا دعوة إلى غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذي أوصانا بالتمسك بكتاب الله وسنته ولن نزال على الهدى ما تمسكنا بهما. وما سواهما فهو ضلالة  وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ 30  فيجب على أولياء الله الاعتصام بالكتاب والسنة .31
– ومما ورد في اعتقادهم : أنه يجب محبتهم، وذلك باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم، فإن من اقتفى آثارهم كان متسبباً إلى تكثير أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده، حرم نفسه، وحرمهم ذلك الأجر .32
– ومن اعتقادهم أيضا : عدم إيذائهم، لا بالقول ولا بالفعل، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : ( إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحـرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيٍء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ) .33
فقوله : من عادى لي ولياً، أي: اتخذه عدواً، والمعاداة لا تنحصر في الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلاً، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب، فتقع المعاداة من الجانبين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فجعل معاداة عبده معاداة له، فعين عدوه عدو عبده، وعين معاداة وليه عين معاداته ليسا هما شيئين متميزين. ولكن ليس الله هو عين عبده ولا جهة عداوة عبده عين جهة عداوة نفسه، وإنما اتفقا في النوع. 34
قال الحافظ ابن حجر: وقد استشكل وقوع المحاربة وهي مفاعلة من الجانبين مع أن المخلوق في أسر الخالق! والجواب: أنه من المخاطبة بما يفهم فإن الحرب تنشأ عن العداوة، والعداوة تنشأ عن المخالفة.. فكأن المعنى: تعرض لإهلاكي إياه، قال الفاكهاني: في هذا تهديد لأن من حاربه الله أهلكه. قال الحافظ: وإذا ثبت هذا من جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة، فمن والى أولياء الله أكرمه الله .35
– وقوله : فقد آذنته، أي : أعلمته، والإيذان: الإعلام.
– وقوله : بالحرب، أي : تعرض لإهلاكي إياه، فأطلق الحرب وأراد لازمه، فأعمل به ما يعمله العدو المحارب، وهذا تهديدٌ شديد؛ لأن من حاربه الله أهلكه، ومن كره من أحبّ الله، خالف الله، ومن خالف الله، عانده، ومن عانده، أهلكه .36
– ومن اعتقادهم: الإيمان والتصديق بكراماتهم، ولأهمية هذه المسألة سأتكلم عنها بشيء من الإيجاز.
– يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – “ومن أصول أهل السنة : التصديق بكرامات37 الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات، في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة، والتأثيرات، وهي موجودة إلى يوم القيامة” 38، وهي ثمرة إيمانهم، وتقواهم وحصلت لهم ببركة اتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم-، وتدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ولا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه تجب طاعته في كل ما يقوله 39. وبينها وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية، فروق متعددة، منها :
– أن الكرامات سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية يكون سببها ما نهى الله عنه ورسوله – صلى الله عليه وسلم-، ويستعان بها على ما نهى الله عنه ورسوله – صلى الله عليه وسلم – قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [ الأعراف: 33 ].
– فالقول على الله بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش، لا تكون سبباً لكرامة الله تعالى، ولا يستعان بالكرامات عليها، فهي إذاً من الأحوال الشيطانية . 40
– أن كرامات الأولياء تقوى بذكر الله وتوحيده، وأما الأحوال الشيطانية فإنها تخنس وتذهب بذكر الله.
– وكرامات الأولياء تدل على صدق الرسول واتباعه، بينما الأحوال الشيطانية تدل على اتباع مسالك الشيطان.
– الكرامات الرحمانية يُكرم الله بها عباده الصالحين، بينما الأحوال الشيطانية هي من جنس السحرة والكهان وعبدة الشياطين . 41
– فأهل السنة والجماعة يعترفون بكرامات الله لأوليائه إجمالاً وتفصيلاً، ويثبتون ذلك على وجه التفصيل. لكن قد أدخل الناس في الكرامات أموراً كثيرة، اخترعوها، وافتروها وخدعوا بها العوام، والسذج من الناس، وأوهموهم بأنها من الكرامات، وليست إلا قسماً من الخرافات والشعوذات.
– قال ابن الجوزي- رحمه الله – : “ولما علم العقلاء شدة تلبيس إبليس عليهم حذروا من أشياء ظاهرها الكرامة، وخافوا أن تكون من تلبيسه، فلقد لبّس على قومٍ من المتأخرين، فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء؛ ليشيدوا بزعمهم أمر القوم، والحق لا يحتاج إلى تشييد بباطل، فكشف الله تعالى أمرهم” .
– هذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في الأولياء، ومع بيان ذلك كله إلا أن الكثير من الناس انحرف عن هذا المنهج القويم، ووقعوا في مسألة الغلو في الأولياء والصالحين التي جرت بالأمة إلى الانخراط في الشرك، واتباع خطوات الشيطان.

وللبحث بقية بحول الله وتوفيقه
: أبومحمد عادل خزرون التطواني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. – من رسالة الشيخ محمد جميل غازي (الأولياء) ضمن مجموعة رسائل بعنوان من مفردات القرآن 89- 102 ط المدني مصر مع بغض التصرف.
  2.  –  البقرة/257
  3.  –  الكهف/ 44.
  4.  – الأحزاب /6.
  5. – تفسير السعدي – (ج 1 / ص 659)
  6. – أخرجه البخاري في التفسير 226 تفسير سورة الأحزاب، ومسلم في الفرائض رقم (1619) والبيهقي في السنن 10: 302.
  7.  – أخرجه البخاري في الأدب 737 باب تبل الرحم ببلالها، ومسلم رقم (215) وأحمد في المسند 4:203.
  8. – التفسير الميسر – (ج 2 / ص 229) وتفسير السعدي – (ج 1 / ص 236)
  9.  –  آل عمران /28.
  10.  – التوبة/ 123.
  11.  –  المائدة /78-81.
  12. – التفسير الميسر – (ج 9 / ص 171)  وتفسير السعدي – (ج 1 / ص 785(
  13.  – لجاثية/ 19.
  14.  – الأعراف/ 27.
  15.  -إبراهيم /22
  16.  – الأنفال /48.
  17.  – البقرة/ 257.
  18.  –  محمد /11 
  19.  –  أضواء البيان للشنقيطي:289/1.
  20. –  هم :المستمسكون بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم الذين اجتمعوا على ذلك، وهم الصحابة والتابعون  وأئمة الهدى المتبعون لهم، ومن سك سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل إلى يوم الدين، انظر: بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة، ناصر العقل، ص : 17 .   
  21. – الإلهام :ما يخلقه الله تعالى في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر، انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي   دار عالم الكتب، الرياض، 1423هـ، 10/133، وانظر: فتح القدير، للشوكاني، 3/175 .
  22. –  المحادثة :من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدثه غيره به، وقيل من يجري الصواب على لسانه من غير قصد، انظر: فتح الباري، ابن حجر، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عمر بن الخطاب، 61، رقم الحديث: 3562  .
  23. –  المخاطبة :ما يجري للعبد من سماع ما لا يسمعه غيره، انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان  ابن تيمية، ص : 84 . 
  24.   – رواه أحمد 4: 126 وابن ماجة رقم (4) ورقم (35) والترمذي (2676) وصححه الألباني (الأحاديث الصحيحة 937و 688).
  25.  –  رواه أبو داود (4607) والترمذي (2678) ،وقال الشيخ الألباني إسناده صحيح :أحكام الجنائز :43.
  26.  – جامع الرسائل 1: 266 ومختصر الفتاوى المصرية 100.
  27.   – الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان 48-49.
  28.  – مجموع فتاوى أبن تيمية 11: 173.
  29.  – أيقاظ الهمم لا بن عجيبة 5ط. دار المعرفة- بيروت.
  30.  – الأنعام/153
  31.   انظر : الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ابن تيمية ، ص: 144-180 .
  32. – انظر : إغاثة اللهفان، ابن القيم، ت: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، 1/213 . 
  33. –   أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، ص: 545، رقم الحديث : 6501 .
  34.  – مجموع الفتاوى 2: 391.
  35.  – الفتح 11: 342- 343.
  36. –  انظر : فتح الباري، ابن حجر، ص: 350، رقم الحديث : 6276 .
  37. – الكرامة هي: أمر خارق للعادة، يجريه الله على يد أحد أوليائه من غير تحدٍ، انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ابن تيمية، ص: 83 .
  38. –  شرح العقيدة الواسطية، ابن تيمية، صالح بن فوزان الفوزان، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، الطبعة السادسة، 1420هـ، ص : 188 .
  39. –  انظر: النبوات، ابن تيمية، ت: محمد عبد الرحمن عوض، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1405هـ، ص : 20 .
  40.  – انظر : الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ابن تيمية، ص : 327 .
  41.  – انظر: النبوات، ابن تيمية، ص: 422- 424 .
  42. – تلبيس إبليس، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ، ص: 337.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *