صحافة السخافة والاسترزاق ذ.أحمد اللويزة

يبرق الرعد في سماء الصحافة فتمطر إفكا وبهتانا، فتكفهر أجوائها كذبا ومغالطات ويصحو جوها على وابل من الزور والفحش، وأودية تسيل من المنكر، وسيول جارفة من الأفكار المنحرفة عن مسار الحق.

بعض الصحافيين يملؤون أفق الصحف والمجلات بضباب من التشويه والتسفيه للحقيقة، وتسير سحب القنوات بمزن محملة بزخات من الفساد وبرد من الانحلال.
صحافة اليوم غيثها ضار معظمه، ونداها يقطر حقدا على الثوابت والهوية، يستفزون بدعوى الحرية الفكرية والتعبير الحر ضميرَ الأمة الصافي، فيكتبون خربشات تكدر صفو الربيع، وتعكر نسيمه العليل، وإذا هبت رياح التغيير ظنها بعضهم ستمر عليهم بإذن من التطفل على كل المواضيع التي لا يفهمها إلا هم!! ممن حمل قلما واستباح عرض الصحافة المشاع.
صحافيو اليوم يغيرون جلدهم كالثعبان، ويتلونون تلون الحرباء، ويراوغون روغان الثعلبان، وليثهم كانوا على وفاء الكلب وصبر الجمل وتحمل الحمار، يبيعون ذمتهم لمن يدفع أكثر في سوق الكساد، أقلامهم معروضة في المزاد بثمن بخس حيث العرض يفوق الطلب، فيعقدون صفقة خاسرة يكشف غبنها حقائق السوق ووقائع المكاشفة من لدن الأوفياء، بعد نفض غبار التدليس والوهم عن لوحة الحقيقة التي ترسمها الضمائر الحية الفاعلة، ولا تقوى على إخفائها الأطراف المجرورة أو المفعول فيها أو المعطوفة على حركة الدراهم والدنانير، أو المفصولة عن جسد الأمة بعملية قيصرية مريرة، تركت تشوهات عقدية وأخلاقية في جسم كثير من مرضى الأنا، والمصابون بداء فقدان المناعة ضد وباء الحداثة والعولمة المنحلة، والعاجزون عن الانسلاخ من شرنقة الفحش، الذين قطعوا مشيمة القيم التي تضمن للمرء نموا سليما لا تؤثر فيه ظروف المناخ الملوث بنفايات القوم الفكرية والتصورية.
نحن في عالم تصم آذاننا فيه أصوات الصياح الصاخب في أجواء مفتوحة على الفضاء الذي ليس عليه سلطة من بشر، تتصارع فيه الأفكار عبر الأثير لتقتحم البيوت عبر أسلاك بريئة تشكوا ما يجري لها وبها في عالم لا يعترف بالأخلاق والقيم.
أهل السخافة يضربون اليوم في جدار من إسمنت وحديد من الدرجة الرفيعة، أقوى مما تكون عليه أمتن الجدر وأفخم القصور وأمنع الحصون، بنيان الفضائل الإسلامية وصرح الشريعة أسس على تقوى من الله، لا تقدر على هدمه معاول الخزي ولا فؤوس المكر والعار، خرسانته متينة كأشد ما يكون الجبل الراسخ، وصروحه أعلى من الرواسي الشامخة، حجارته بازلتية لا تذوبها حرارة الحقد والكره لكل خلق جميل وشرع رفيع أتى به الإسلام.
الحق معدن نفيس وجوهر عزيز، لا يضاهيه مغشوش أو مدخون ما أن تقترب منه نار الحقيقة حتى ينكشف زيفه ويعلوا في سماء الحق دخان باطله، يؤثر على عشاقه، ولا يعبأ به أهل الفضل والشيم؛ لأن خياشمهم معطرة بمسك الحق، وعيونهم مكتحلة بإثمد الكرامة، وآذانهم مصقولة بماء العزة.
هذه هي “الصحافة” بركان ثائر يرمي بحمم الباطل، وبحر هائج تتعالى أمواج شرها تتحداها سفن الحق وتتكسر على صخرة الخير والهدى، فليصرخوا في بيداء الانحراف حتى تبح أصواتهم، فأهل الفضل على مرّ التاريخ هامات سامقة لا يعلوها غبار ضجيجهم، ولا يصلها رذاذ صياحهم، فسحب الحق ماضية وكلاب الباطل تنبح وما ضر الفرات أن ولغت فيه الكلاب.
لا تأسفن على غدر الزمان لطالما رقصت على جثث الأسود كلابا
لا تحسبن برقصها تعلو على أسيادها تبقى الأسود أسودا و الكلاب كلابا
إن التطفل والتجرؤ على الإسلام وشعائره الظاهرة، ورموزه الطاهرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مصابيح الهدى وأعلام الدجى، وخيرتهم من الخلفاء الراشدين من طرف جريدة إنما تريد بذلك أن ترفع خسيستها، وتسترزق على حساب الكرامة والعرفان الواجب اتجاه تضحيات الكرام، أو تريد بعملها هذا أن تدخل عالم الشهرة المجاني، الذي يطمح إليه كل نكرة فلا يجد سوى حائط الدين قصيرا في زمن الرويبضة ليتسلقه نحو النجومية الزائفة، أو يريدون أن يشغلوا الشعب عن معركته الحقيقة نحو التحرر والانعتاق من أغلال التفسيق الممنهج والتمييع المقصود، أو جس النبض من خلال ردود الأفعال المتوقعة ولتذهب المصداقية والنزاهة والموضوعية إلى الجحيم، إنها صحافة السخافة والاسترزاق…
صحفيوها الذين يجعلون من الفضيلة رذيلة، ومن الباطل حقا، ومن دور القرآن خطرا أشد من خطر العلمانية واللبرالية والحداثة والانحلال. فما هدأت نفوسهم ولا نامت جفونهم حتى أغلقت. ويتباكون على مظاهر الفساد الأخلاقي من عري ودعارة ومهرجانات منحلة وقمار وربا و… باعتبارها عناوين بارزة للحضارة المزعومة.
لقد تم الحديث عن الصحافة والصحافيين بصيغة العموم ولكن على قاعدة الحكم للغالب، وما من عموم إلا وله استثناء، ولكن شرفاء المهنة نجوم في سماء الصحافة المظلمة قليلون. وإن ربك لكل باغ لبالمرصاد وإنه ليدافع عن الذين آمنوا، فهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *