السياسة البربرية ومحاولة التفريق بين الأشقاء

عمل المريشال ليوطي من خلال مشروعه على إنهاء عروبة المغرب ببربرة تعليمه، وأزرفة أحكام قضائه، كمرحلة لفرنسته على المدى البعيد في أطفال مدارسه، ولتأكيد هذا المشروع اليوطوي نسوق نصا من دورية ليوطي الخطيرة سنة 1914 جاء فيها: 

“إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام، لأن هذه اللغة يتم تعليمها بواسطة القرآن، بينما تقضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج الإسلام، ومن الناحية اللغوية علينا أن نعمل على الانتقال مباشرة من البربرية إلى الفرنسية”.
هذه الدعوة من ليوطي إلى تطبيق هذه السياسة هي اللبنة الأولى في بناء دعاة التفريق بين الإخوة العرب والبربر التي توجوها بالظهير البربري المعروف، هذه السياسة سيحدِّثنا عنها علال الفاسي في كتابه “الحركات الاستقلالية في المغرب العربي” حيث قال:
“لنساير عوامل التطور الفكري والروحي في ذهنية المغاربة يجب أن نعرف ما هي السياسة البربرية التي أدت إلى إصدار الظهير البربري في 16 ماي سنة 1930، والحقيقة أن هذه السياسة هي آخر ما اهتدى إليه الفكر الفرنسي للقضاء على مقومات المغرب العربي وإدماجه في حظيرة العائلة الفرنسية، ولقد ظل الفرنسيون منذ احتلال الجزائر يبحثون عن الوسيلة التي تهيئ لهم الامتلاك الدائم للشمال الأفريقي وتعميره بمسيحيين من العنصر اللاتيني، وكان يقف حجر عثرة في سبيلهم هؤلاء السكان الأصليون المتمسكون بإسلامهم وبوحدتهم وعروبتهم، ففكروا وقتا ما في أن أفضل السبل هي التغلب على العنصر الأهلي بطريق الهجرة وإعطاء المهاجرين الامتياز الذي يجعل الأهالي في حالة من البؤس والشقاء لا يستطيعون معها مقاومة الفناء، وكانوا يرون القدوة الصالحة فيما قاموا به هم في كندا الفرنسية، وما قامت به الشعوب اللاتينية في أمريكا الجنوبية التي ظلت زمنا طويلا المثل الأعلى لرجال السياسة الأهلية في الشمال الأفريقي.
ولكن الأيام تمر، والعنصر الأهلي لا يزداد إلا بعدا عن الانحدار للفناء برغم كل ما يحاط به من مكر وتقتيل، والهجرة الأجنبية لم تستطع أن تصل إلى الحد الذي تتمكن به من أن تنال الأغلبية في هذه البلاد، وتقويتها بتجنيس اليهود والجزائريين والجاليات المالطية والطليانية كل ذلك لم يؤد إلى النتيجة المطلوبة، وإذن فالحل الوحيد الذي يمكن أن ينهي المشكلة هو تجنيس المغاربة، ولكن المغاربة يرفضون الاندماج في غيرهم، وهم أعظم كبرياء من أن يقبلوا جنسية قوم يعتبرونهم روميين محتقرين في نظرهم، لكن هذا الاحتقار ليس ناشئا عن روح قومية بالمعنى الذي يفهمه الأوربيون على ما يبدو، وإنما مصدره (في نظرهم) تعصب ديني ناشئ عن جو الإسلام الذي يحيط بهم ويحاصرهم بالرغم عنهم، ولذلك لا يمكن أن تكون إلا عن طريق التمسيح، ومن ذا الذي يستطيع أن يواجه المسلمين بالدعوة للخروج عن دينهم؟
الأمر ليس بالصعب للدرجة التي تتصور، وفي مراكش بصفة خاصة فإن القسم الكبير من السكان هو من البربر، وهؤلاء -وإن كانوا يسمون أنفسهم مسلمين- فإن إسلامهم سطحي، واتفاقهم مع العرب ليس إلا اتفاقا قائما على المصلحة الناشئة عن تغلب العرب وتسلطهم، وإذا حيل بين البربر وبين العرب وبين كل ما جاء به العرب من لغة وقضاء وثقافة، فالبرابرة سيمسون بوجدانهم الخاص، وسيبحثون عن الروحانية القديمة التي جاءتهم بها روما من قبل، وليس من البعيد أن يتمسحوا، وبعد ذلك فسنجد منهم العامل القوي لمعاضدة الاندماج في فرنسا التي تحررهم من سيطرة العرب الروحية والزمنية.
تلك هي السياسة البربرية في خطوطها الكبرى، ويمكننا أن نرجع لمحضر جلسات المداولة في مشروع الظهير البربري لنستخرج منها الغاية والوسائل التي نظمها الحماة لتحقيق هذه السياسة، وقد جاء في محضر جلسة (لجنة درس وتنظيم العدلية البربرية) المنعقدة في 8 أكتوبر 1924: “ليس هناك من ضرر في تحطيم وحدة نظام الموازنة الذي يمكن أن تستدعيه الحاجة فلا شك أن هناك فائدة مؤكدة من الناحية السياسية في تحطيم المرآة”.
هذا فيما يخص القضاء، أما فيما يخص التعليم فقد جاء في أطروحة (جود فروي/دومو نيين) “عمل فرنسا بالمغرب فيما يخص التعليم” الصحة 119: من الخطر أن نترك كتلة ملتحمة من المغاربة تتكون، ولغتها واحدة، وأنظمتها واحدة، لا بد أن نستعمل لفائدة العبارة القديمة “فرق تسد” إن وجود العنصر البربري هو آلة مفيدة لموازنة العنصر العربي، ويمكننا أن نستعمله ضد المخزن (الحكومة المراكشية) نفسه.
ويعترف هذا المؤلف نفسه في الصفحة 118 بأن اللغة العربية هي اللغة الاقتصادية والدينية والإدارية بالمغرب الحالي، وأما البربري فيعتبر العربية لغة عليا، ولذلك يقول المؤلف في الصفحة 119: “يجب أن تقوم اللغة الفرنسية لا البربرية مقام اللغة العربية كلغة مشتركة وكلغة للمدنية”.
ويقول الكومدان مارتي الذي هو من أكبر دعاة السياسة البربرية في كتابه (مغرب الغد) الصفحة 241: “إن المدرسة الفرنسية البربرية هي مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلاميذها وبيئتها، إذن فليس ثمة واسطة أجنبي، كل تعليم عربي وكل تدخل من قبل الفقيه، وكل ظاهرة إسلامية يجب منعها بصرامة تامة، فنحن نبتعد من تلقائنا عن كل مرحلة تكون مرحلة إسلامية أي مرحلة تبلور. إن الآراء هنا وفي كل مكان متفقة على هذه النقطة”.
ويقول دي منبين الصفحة في 121 من كتابه “عمل فرنسا بالمغرب فيما يخص التعليم”: “إن برامج المدارس البربرية هي نفس البرامج البدوية الأخرى إلا فيما يخص المعلمين، فيجب عليهم ألا يستعملوا في أي حال من الأحوال اللغة العربية ولو في أوائل الدراسة، كما يجب عليهم ألا يسمحوا للتلاميذ بأي اتصال مع (الطالب)، أما في الحالة التي لا يمكن للمعلم فيها اتباع الطريقة المباشرة فينبغي له إن كان يعرف البربرية أن يستعملها لتفهيم التلاميذ”.
وكتب مسيو جلاي أحد موظفي الإقامة العامة في مقال بعنوان “المدرسة الفرنسية لدى البربر” ما يأتي: “يجب أن نحذف تعليم الديانة الإسلامية واللغة العربية في مدارس البربر، وأن تكتب اللهجات البربرية بحروف لاتينية”، وختم مقاله بقوله: “يجب أن نعلم البربر كل شيء ما عدا الإسلام”.
إذن فالسياسة البربرية ترمي لفرنسة المغرب لغويا وسياسيا وقضائيا، وتتخذ لذلك وسائل التفرقة بين عنصرين كبيرين في البلاد فتعتمد على من تظنه أقرب إليها؛ فتحول بينه وبين الثقافة الإسلامية والعربية، وتعمد إلى الجماعات القبيلة التي كانت مهمتها الدفاع عن القبيلة وتدبير مصالحها المحلية وتمثيلها أمام ولاة الملك فتقلبها إلى محاكم، وتجعل مما بقي من بعض الأعراف الجاهلية قانونا ثابتا، ووصل بها الغلو إلى أن ترفع قضايا الجنايات التي تقع في الأراضي البربرية إلى المحاكم الفرنسية ذاتها!
وهكذا تجرد القسم الأكبر من رعايا البلاد من سلطة الملك الدينية والزمنية التي تتجلى في القضاء الشرعي والمخزني، وتعمد إلى الكتاتيب القرآنية والمساجد فتقفلها وتحول بين الفقهاء والدعاة وبين التجول لتعليم الناس أحكام دينهم.
بدأت هذه السياسة بظهير شتنبر سنة 1914 الذي استصدره المارشال ليوطي بدعوى احترام التقاليد البربرية، واستمرت تبدو في مظاهر متعددة إلى 16 ماي سنة 1930 حيث تجلت فيما يسمى بالظهير البربري.
ومع هذا الظهير غامض الدلالة جردت الحكومة الشريفة من سيادتها على القبائل البربرية، وأحدث محاكم عرفية لم يعرفها المغرب في تاريخه بحال”.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *