الاستغراب في فكر الدكتور عابد الجابري -3- د.عبد الله الشارف كلية أصول الدين/كلية الآداب تطوان

..البنيوية نظرية تعتبر اللغة مجموعا مركبا تتمتع فيه العلاقات بين الألفاظ بأهمية كبيرة، كما أنها نظرية تضع الكائن البشري في المرتبـة الثانية بعد البنيات الاقتصادية (التوسر)، أو الاجتماعية الإتنولوجية (ليفي ستراوس) أو التحليلية النفسية (لاكان)، وهي في الأخير رد فعل ضد الوجودية من جهة وفلسفة التغيير الجذري من جهة أخرى.
“وتتميز البنيات بكونها تستطيع أن تضبط نفسها، هـذا الضبط الذاتي يؤدى إلى الحفاظ عليها، وإلى نوع من الانغلاق. وتعني هاتان الخاصيتان؛ أن التحويلات الملازمة لبنية معينة لا تؤدي إلى خارج حدودها ولكنها لا تولد إلا عناصر تنتمي دائما إلى البنية وتحافظ على قوانينها، وهكذا وبهذا المعنى تنطوي البنية على نفسها، ولكن هذا لا يعني أن البنية المعنية لا تستطيع الدخول في شبكة على شكل بنية فرعية ضمن بنية أخرى أوسع مجالا»1.
ويرى (جان بياجيه) أيضا أن الحلم الأكبر لكثير من البنيويين هو تثبيت البنيات فوق دعائم لازمانية شبيهة بدعائم الأنظمة المنطقية الرياضية.
إن المقولة الأساسية في المنظور البنيوي ليست هي مقولة الكينوية بل مقولة العلاقة. والأطروحة المركزية للبنيوية هي أسبقية العلاقة على الكينونة، وأولوية الكل على الأجزاء.
فالعنصر لا معنى له إلا بعقدة العلاقات المكونة له، ولا سبيل إلى تعريف الوحدات إلا بعلاقاتها فهي أشكال وليست جواهر، ولأجل هذا فإن ما يدخل في الاعتبار ليس الوقائع وإنما العلاقات بين الوقائع. وبما أنه واضح كـل الوضوح بأن الواقعة لها معناها وبدونه لا يمكن تحديد ماهيتها، فإن ليفي ستروس يتذرع بالألسنية من أجل الخروج من أسر اللامنطق الذي يقع فيه.
ومن تعاليم الألسنية أن الأصوات لا معنى لها، والمعنى هو للكلمة المؤلفة من تمازجها. ويمكن أيضا فهم المعنى الذي أعطاه ليفي ستراوس لبنياته من خلال التفسير الأنتروبولوجي التالي:
«إذا كان النشاط اللاواعـي للذهن يشتمل على فرض الأشكال على المضمون، وإذا كانت هذه الأشكال هي نفسها أساسا لجميع الأذهان القديمة والحديثة، البدائية والمتمدنة -كما تبينه دراسة الوظيفة الرمزية بكثير من الوضوح في تعبيرها عن نفسها عبر الكلامـ فيجب ويكفي الوصول إلى البنية غير المتوعية، الكامنة تحت كل مؤسسة وتحت كل تقليد وذلك للحصول على مبدأ للتفسير يصلح للمؤسسات أخرى وتقاليد أخرى، شرط أن ندفع بالتحليل بعيدا»2.
إن البنية في نظر (ك.ل. ستروس) نظام آلي له آلياته الخاصة التي تعمل بطريقة رمزية لاشعورية، بحيث يمكن القول بأن كل بنية لابد أن تكون “بنية تحية” لأنها في صميمها آلية لاشعورية تكمن خلف العلاقات المدركة، وتعمل من وراء الوعي المباشر للأفراد. وهذا يجعلنا نستنتج أن الأفراد يسلكون سلوكا جبريا.
لكن ما هي العلاقات بين البنيات والعقل؟
وهل تصدر البنيات عن العقل، بل كيف يتصور ك. ل.سترواس العقل في هذا الإطار؟
في هذا الصدد يقول ج. بياجيه: «إن البنيات ليست جواهر صورية ذلك أن ل.ستراوس ليس فينومينولوجيا ولا يؤمن بالمدلول الأولي لـ”الأنا” أو “التجربة المعيشة”. أما الصيغ التي تعاود بلا انقطاع فهي إنما تصدر عن “العقل” أو عن عقل إنساني مماثل دوما لنفسه، ومن هنا أوليتها على العامل الاجتماعي -على عكس أولية العامل الاجتماعي على العقل الذي ينتقدها عند دور كايم- وعلى العامل العقلي؛ ومن هنا التسلسلات المنطقية التي تربط فيما بين العلاقات العقلية، وبالأحرى الجهاز العضوي الذي يفترض بحق تفسير الانفعال الشعـوري ولكنه ليس مصدر البنيات. غير أن المسألة تزداد حدة: ما هو نمط وجود العقل أو الذهن إن لم يكن اجتماعيا أو عقليا أو عضويا؟»3.
ويتابع جان بياجيه معبرا عن رأي ل.ستراوس في هذه النقطة: «إذا أمكن القول بأن أي سياق حيوي هو سياق “معقل” فيمكن القول بأن الحياة، هي حياة هندسية.. ونستطيع أن نذهب اليوم في التأكيد بأنه، أي العقل يعمل في نقاط عديدة جدا مثل آلة إحيائية، أو “ذكاء صناعي”.
لكن من هذا المنظور ماذا يصبح العقل الإنساني المماثل لنفسه دائما؟
يقول ك. ل. ستراوس: ليكن البرهان استمرارية “الوظيفة الرمزية”. ونعترف بأننا لم نفهم مبدأ ما الذي يبقى هذا «العقل معزرا إذا جعلنا منه مجموعة تصورات دائمة عوضا عن نتاج مستمر لبناء ذاتي متواصل»4.
ويشكل مفهوم اللاشعور عنصرا أساسيا في المنظومة البنيوية. كما أن ليفي ستراوس كثيرا ما صرح بأنه مدين في فكرة لبعض أعمال فرويد المتعلقة بالتحليل النفسي. وركز على العلاقة القوية بين صفة الخفاء المميزة للبنيات الاجتماعية والجانب اللاشعوري في شخصية الفرد.
إذا كان فرويد يعتبر مجال اللاشعور مستقلا عن الإرادة الشعورية، فإن ليفي ستراوس يعتبر البنيات الاجتماعية مستقلة كذلك عن الوعي الذاتي يقول ل.س: «إننا مضطرون لأن نتصور البنيات الاجتماعية بوصفها مواضيع مستقلة عن وعي الناس لها، مع أنها هي الناظمة لوجودهم، وباعتبارها قابلة لأن تختلف عن الصورة التي يكونونها عنها اختلاف الواقع الفزيائي عن التمثيل الحي الذي تكونه عنه الفرضيات التي نصوغها بصدده»5.
وانطلاقا من كونه يرى بأن اللاشعور هو أساس معقولية واتصال الظواهر الطبيعية، فإن بعض المفاهيم مثل “اجتماعي”، “رمزي”، “نسقي” و”لاشعوري” تتداخل فيما بينها وينطوي بعضها على البعض الآخر، بالإضافة إلى أن اللاشعور يظل القاعدة الأساسية ويلعب الدور المهين.
«إن اللاشعور الذي يتكلم عنه ليفي ستراوس هو أساس تكوين العقل، ولا يوجد تحت سيطرة الشعور بالرغم من أن هذا الأخير يدرس ويبحث في اللاشعور. واللاشعور طبيعي لأنه عام وشامل»6.
يقول ل.ستراوس بصدد تعريفه للاشعور في إطار فكره البنيوي وحيث يتجلى تأثره بمدرسة التحليل النفسي: «يشكل اللاشعور مجموعة القوانين الباطنية التي تشرف على الاتصال الرمـزي، ومن ناحية أخرى فإن وظيفة اللاشعور تتعين في فرض وإملاء قوانين بنيوية، وهذه القوانين تستمد قوتها من الغرائز والانفعالات والذكريات.
وإذا كان الأنا الأعلى يمثل المعجم الفردي حيث تتراكم المفردات المتعلقة بالحياة الشخصية لكل واحد منا فإن هذه المفردات لا تكتسب أي معنى سواء بالنسبة لنا أو لغيرنا إلا بعد أن يقوم اللاشعور بتنظيمها وصياغتها على شكل خطاب»7.
إن القول بأن للبنيوية رسالة علمية: لأن النشاط الذي تقوم به يندرج تحت باب “النظر” أو “الابستومولوجيا” أكثر مما يندرج تحت باب “الفلسفة” أو “الأيديولوجيا”، إنما هو في الحــقيقة قول ناقص لا يضع بيـن أيــدينا سوى “نصــف الحــقيقة”!
والــسبب في ذلك أن البنيوية، كما لاحظ الكثيرون، تنطوي على منظور فكري خاص يحمل في طياته انقلابا فلسفيا حقيقيا، ويمثل ثورة كوبونيقية من نوع جديد: نظرا لأن من شأن هذا المنظور البنيوي أن يجعل من “الذات” مجرد “حامل” لا تتركز عليه “البنية” أو “البنيات”، كما أن من شأنه أيضا أن يحيل “التاريخ” إلى محض تعاقب اعتباطي لبعض “الصور” أو “الأشكال”.
ولعل هذا ما عبر عنه (ميشيل فوكو) نفسه حين ذهب إلى: أن النقطة التي شهدت هذه القطيعة إنما تقع، على وجه التحديد، يوم كشف لنا ليفي ستراوس -بالنسبة إلى المجتمعات- و(ج.لاكان) -بالنسبة إلى اللاشعورـ عن وجود احتمال كبير في أن يكون “المعنى” مجرد تأثير سطحي، وعندما بين لنا كل منهما أن ما قد وجد قبلنا، وأن ما يدعمنا في المكان والزمان، إن هو إلا “النسق” أو “النظام” لا غير.
يقول محمود أمين العالم: «والكتاب: العقل السياسي العربي/ للجابري، في الحقيقة بتركيزه على المسار العام العربي الإسلامي وإغفاله لبعض الظواهر السياسية والاجتماعية.. يكاد يقلص هذا التاريخ ويفقده طابعه التاريخي، ويضفي عليه نوعا من الاستمرارية التاريخية. فهو يثبت طوال التاريخ بنى محددة، مما يطبع التاريخ بطابع المماثلة والمقابلة والثبات.. وهو ما يكشف عن استمرار غلبة التوجه البنيوي في منهج دراسته التاريخية»8.
ـــــــــــــــــــــــــــ
1- ـ J. Piaget “le structuralisme” Ed. puf Paris 1968. p13
2- C.L. Strauss: “Anthropologie structurelle” Ed. Plon Paris 1976 p. 28
3- le structuralisme J.Piaget P:91 .
4- المرجع السابق ص:93.
5-C.L. Strauss. ”Anthropologie structurelle“ ، ص 40 .
6- Y. SIMONIS: Clande levi – strauss ou la passion de l’inceste” Aubier Montaigne 1968 p.44.
7- المرجع السابق ص:224 C.L.Strauss
8- د. محمد عابد الجابري: التراث والحداثة، القسم الثالث، مناقشات ص:346.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *