العلمانية في سوريا.. حراك جديد

وجه الإعلامي الأمريكي “تشارلي روز” ذات مرة سؤالاً للرئيس السوري “بشار الأسد” حول ماهية أكبر التحديات التي تواجه سوريا، فكانت إجابة الأسد هي: “الحفاظ على الهوية العلمانية في سوريا من خطر التطرف”!
ولا يمثل العلويون في سوريا أكثر من نحو 12 بالمائة من إجمالي الشعب السوري، إلا أن النظام العلوي الحاكم في سوريا بقيادة “بشار الأسد” يلعب على وتر الانقسام الديني وفقدان الوحدة الوطنية ليحقق هدفين إذا تحقق أحدهما سيكون أمرًا طيبًا بالنسبة له.
وهذان الهدفان هما: إما أن يؤدي استمرار التأكيد على هذه المخاوف وعواقبها إلى إحباط همة الثوار السوريين، أو أن تؤدي هذه الدعوات التي يبثها الإعلام الحكومي ليلاً نهارًا إلى تأليب الطوائف السورية الأخرى على الغالبية السنية لتتأجج معركة جانبية أخرى تثبط من زخم الأولى.
والحقيقة أن العديد من العلويين-وليس جميعهم- والدروز والمسيحيين كانوا قد أشاروا من قبل إلى أن النظام في دمشق هو درع أمان لهم لاستمرار العلمانية في سوريا؛ حيث تتصاعد مخاوفهم من سيطرة المسلمين السنة على زمام الأمور في البلاد، وإن كان بعض العلويين من المنصفين يرون أن الرئيس “بشار الأسد” قد فقد كل شرعية له بعد حملات القمع الشديدة التي قامت بها قواته ضد أبناء الشعب السوري.
الثورة السورية وبدء حراك التيارات العلمانية
ويبدو أن الحركات العلمانية قد بدأت تشعر بالقلق والارتباك الشديد من ثورات ربيع العرب والتفاف الشعوب العربية حول القيادات الإسلامية، فشرعت في تنظيم صفها وتعزيز قدراتها والاستعانة بمؤيدي أيديولوجياتها لتبدأ معركتها للمطالبة بفصل الدين عن الدولة.
فقد شهدت دمشق الأسبوع الماضي انعقاد المؤتمر العلماني الأول الذي نظمته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”حركة الشباب العلماني” التي أعلنت عن ظهورها لأول مرة. ومن قبله كان قد تم الإعلان عن تأسيس ائتلاف لقوى علمانية معارضة سورية يطالب بفصل الدين عن الدولة على هامش أعمال مؤتمر المعارضة السورية الذي كان قد عقد في أنطاليا بتركيا منذ نحو شهر.
وذهب الأمين العام للحزب الديمقراطي السوري “مصطفى قلعجي” في كلمته في مؤتمر دمشق إلى: “أن العلمانية وسيلة لتنظيم العلاقة بين السياسة والدين ولا يمكن أن توجد دولة ديمقراطية من دون العلمانية”.
رموز علمانية وجدل سوري
خاضت الرموز العلمانية السورية -من أمثال “عزيز العظمة” و”أنطون سعادة” و”نبيل فياض”- معارك طويلة لنشر أفكارها إلا أنها لم تحقق الكثير من أهدافها، وإن كانت قد نجحت في خلق نوع من الجدل الفكري لا يزال يتردد صداه حتى اليوم بين أبرز الشخصيات العلمانية السورية نظرًا لاختلاف مفهوم العلمانية وما تتضمنه من خطوط عريضة ينبغي عليهم التقيد بها. فتارة يقال أن العلمانية تعني الحداثة ودولة القانون وفصل السلطات والأحزاب وتداول السلطات سلمياً وتحرير الاقتصاد وحرية الفكر والنشر والتعبير، وتارة يقال إنها ليست فصلاً للدين ولكنها إبعادًا للدين عن السياسة إلى غير ذلك من التعريفات.
وإذا كان لا يوجد تعريف واحد للعلمانية يتفق عليه الجميع، فإن كل جماعة تفهم العلمانية فهمًا يكاد يكون فرديًا خاصًا بها حتى أن المفتي العام لسورية الشيخ “أحمد حسون” قد قال أثناء محاضرة له في البرلمان الألماني أنه لا يوجد تعارض بين العلمانية والدين وأنه “مسلم علماني”، ما وضع المزيد من علامات الاستفهام حول النسخة السورية للعلمانية.
وربما كان من أبرز السمات العلمانية التي عاصرها المجتمع السوري العام الماضي هي قرار وزير التربية السوري إبعاد نحو 1200 مدرّسة يرتدين النقاب من السلك التربوي، في إجراء يهدف للحفاظ على العمل “العلماني الممنهج” على حد قوله؛ وهي الخطوة التي أثارت ردود فعل متباينة بين رفض ذلك من جانب الأوساط والدوائر الإسلامية، والترحيب به من جانب العلمانيين..
إن مبدأ فصل الدين عن الدولة سيفتح المجال للفردية والطبقية والعنصرية والمذهبية والقومية والحزبية والطائفية، كما سيترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لانتشار الإلحاد وغياب الوطنية والشعور بالاغتراب والانحلال وتمزق الأسرة والمجتمع. فالقانون البشري الوضعي مهما بلغ مدى رقيه وتقدمه فإنه لن يضاهي الشرع الإلهي.
شيماء نعمان (بتصرف) – مركز التأصيل للدراسات والبحوث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *